حياة بسيطة

44 2 3
                                    

تبدأ حكايتنا...
في قرية صغيرة  تبسط حقول القطن  البياض بين أرجائها ، تعكس الشمس ضوءها على الحقول فتنير حبات القطن الناعمة  وتتلألأ فتصبح الأرض  بيضاء ناصعة تسحر عيون كل من يراها ، لذا سميت بالقرية البيضاء .
سكان القرية يحبون حقولهم ويفتخرون بها بشدة . ولم لا فهي مصدر رزقهم وثوب قريتهم البهي، يهتمون بها ويعتنون بأشجارها بعناية شديدة كأنها أبنائهم غرست في التراب فجمعت الحقول قلوبهم ونثرت المحبة والأخوة فيهم كما ينثرون الحبوب فيها وسكنت السكينة أرواحهم وكبرو في عيون بعضهم، لذا لم يحتاجوا كبيراً لهم فحجتهم أنه لا حاجة لهم بذلك.
يتخلل على أطراف القرية حقل من حقول القطن بجانبه بيت تقطنه عائلة دوري .

تناهى إلى سمع ميدو صوت أمه وهي تقول له أن ينادي أباه لتناول طعام الفطور فذهب مسرعاً وفتح الباب ووقف ميدو.ذو العشرة أعوام بطوله المتوسط ، وصندله البني ، وسترته السماوية  المخططة وبنطاله الكحلي القصير ، بعينين فضيتين  تشرق أملاً وشعره الأسود التى تُراقص نسمات الهواء العليلة خصلاته ثم وضع يديه على فمه ونادى:

"أبي أبي الفطور جاهز أدعو رينو ثم تعالا لنتناول الفطور معاً "

نظر دوري لإبنه بعينيه الفضيتين  فارتسمت على وجهه ابتسامة طفيفة فوق ملامحه المتأثرة بقسوة العمر   وقال :

"حسناً يابني سنأتي الآن "

ترك دوري المعول الذي كان يحفر الأرض به وذهب لإحضار ابنه رينو .
كان رينو يحرث الأرض في هدوء عندما قطع هدوئه صوت خطوات   قادمة نحوه، أزاح نظره فرأى أباه ببنطاله الأسود ذو خطافين يمتدّان فوق سترته الزرقاء وحذائه الطويل المصنوع من الجلد البني وعلى رأسه قبعة من القش تحجب الشمس عن شعره الأسود فقال أباه:

"كفانا عملاً  حتى الآن يابني فأمك قد أعدت لنا الفطور هيا لنستريح قليلاً ونتناول الطعام "
صمت رينو  برهة ثم قال:

"كما تريد يا ابي "

ترك رينو المجرفة التي كان يحرث بها وقام ينفض التراب ما استطاع  عن سترته الكمونية وبنطاله الأسود الشبيه ببنطال أبيه ثم دك الأرض لينفض التراب عن حذائه الطويل الجلدي ، وضبط قبعته القشية التي تغطي فروة رأسه البنية وعاد مع أبيه إلى البيت  .
كان دوري في الخامسة والثلاثين من عمره ، خشن البنية، قوي الشكيمة ،طويل القامة .لطخت حرقة الشمس بشرته فأسمرتها ، وعلى عكس مظهره الذي يوحي بأنه صعب المراس فهو هادئ الطباع ، متّزن الكلام . أما رينو فهو صبي في الخامسة عشر من عمره ،متوسط الطول ،حنطي البشرة ، صبور ،ولكن حاد الطباع.
دخلا البيت فوجدا لمدا واقفة تنتظرهم أمام مائدة الطعام ،بثوبها الوردي ومعطفها القطني الخمري ،وقوسها الأبيض ذو الوردة الحمراء يضفي جمالاً لشعرها الأسود  وهو يتدلى ليغطي أكتافها ، وعينيها البنيتين ووجهها البشوش وابتسامتها الطيبة التي تخفي ماوقّع العمر  عليه من قسوة استقبلتهما بصوتها الحنون قائلة :

لعنة التناقضحيث تعيش القصص. اكتشف الآن