تنسحب خيوط ضوء الشمس شيئًا فشيئًا معلنةً ميعاد رحيل الشمسِ إلى بِلادٍ اخرى تاركةً القمر يكمل ما بدأت ويُسدلُ ستار الليل ، قد تأخر الوقتُ بالفعل وهي بالخارج تبحثُ عن عمل ولكن كل محاولاتها كانت تنتهي بالفشل ، من يحاول استغلالها ومن يرفضها من الأساس ولكنها لا زالت عازمة على ألا تيأس ، وفي خضام ذلك كانت لا تزال تجلس أمام هذا الشخصِ الغريب الذي يَدعي أنه يملك حلًا لمشكلتها وتنتظر منه جواباً ،
ليقول هو: إني اعمل في شركةٍ تدعى "أماندا" وتختص تلك الشركة في مجال التكنولوجيا وتطويرها وتصنيعها وتصديرها ،
ولحسن حظك فإن الشركة تبحث عن موظفين جدد وأنا مسئول توظيفٍ في تلك الشركة ، لذا هل بإمكاني رؤية سيرتك الذاتية؟
نظرت إليه في قلق ولكن ليس لديها ما تخسره حتى الآن على أي حال وهزت رأسها بالإيجاب ماددةً اوراق سيرتها له في صمت
أخذ الأوراق وبدأ يقرأ فيها ويتفحصها بعناية ، وبعد مدةٍ من الزمن ليست بِطويلة نظر إليها وملامحهُ توحي بالرضا ،
وقال: إني أتعجب لماذا كنتِ تبحثين لفترةٍ طويلة ولم تجدين عملاً؟
فأجابت: ليس كل ما قابلته هو الرفض ولكن كنت أقابل الاستغلال والاستهبال كذلك
فرد هو: الاستغلال والرفض فهمتهم ولكن ماذا تقصدين والاستهبال؟
فقالت: سأخبرك يا سيدي ما هو والاستهبال ؛ عندما أجلس ادرس طوال حياتي كي أجد عملًا محترمًا وجيدًا ويأتي رجلٌ يشبه المكعبات ويقول "سأوظفك ولكن سيكون المرتب جنيهان ونصف" او يقول "جيدٌ للغاية ولكن لا نقبل الا أصحابُ الخبرة" ، وأنا اكون على وشك الإصابةِ بجلطة من هذا الغباء فكيف سأحصل على خبرةٍ اذا لم يوفروا لي فرصة العمل من الأساس؟ أولا ترا أن هذا استبهالٌ أيه السيد؟
كان يستمع له وهو يكتم ضحكته من تعابير وجهها وأجابها: اني أوافقكِ الرأي يا أنسة ديما ولهذا فلتأتي في الغد وجهزي نفسكِ أنه سيكون أولَ يوم عملٍ لكِ بعد أن نقوم بالإجراءات المعتادة .
فرحت هي كثيرًا وبدأ الأمل يعود لها من جديد ونظرت له في امتنانٍ وقالت: أحقاً يا سيدي هل أُعد قُبلت بالفعل؟
قال هو: بالتأكيد ، دعيني اكتب لكِ عنوان الشركة هي ليست بعيدة على أي حال
قام بكتابةِ العنوانِ لها على ورقةٍ وأعطاه لها ثم وصف لها أيضًا الطريق وكيف تصل للشركة
وقال لها: سأنتظر قدومكِ غدًا يا أنسة ديما
قالت هي: أشكرك للغاية يا سيدي سأستعد للغد بكل حماس
وانصرف كليهما كلًا منهما في طريقه ، عادت هي إلى منزلها وهي في غاية السعادة تدعو الله أن يوفقها في هذا العمل وتُقبل بهِ وتجني الكثير من المال ، دخلت على أهلها وألقت السلام ردوا السلام والتفت الأعين والرؤوس نحوها وجهزت نفسها للسخريةِ المعتادة ، ولكن كان يعم المكان صمتٌ غريب دخلت وجلست وقالت: ما بكم هكذا يا بشر هل هناك مصيبةٌ قد حدثت؟
نظرت أمها إلى أبيها فباشر بالحديثِ قائلًا: هناك عريسٌ قد تقدم لخطبتكِ ولن نرفضه أبدًا هذه المرة ، فأنتِ لا تجدين عملًا على أي حال وقد أصبحتِ كبيرةً بما فيه الكفاية ، ولو صبرنا أكثر من هكذا فلن تتزوجي أبدًا وستعنسين
نظرت إليهم بضيقٍ شديد وقالت وهي تحاول قدر الإمكان أن تخفض صوتها: لقد وجدت عملًا بالفعل وسأذهب إليه غدًا ، أما عن الزواج فأنا لست مستعدةً بعد وإذا كنت ثقيلةً لتلك الدرجة عليكم فسأنقلع من هذا المنزل فور ما يصبح لدي المال الكافي لأستقل بذاتي ، لذا رجاءً لا تفتحوا حديثًا الزواج هذا مجددًا
وذهبت مسرعةً إلى غرفتها وأغلقت بابها عليها لكي لا تسمع كلماتهم المتوقعة وتركتهم ورائها يهلهلون ويصرخون ،
غيرت ثيابها وتوضأت وصلت صلاة المغرب وجلست تفكر في ما حدث معها اليوم وقررت أنها ستبحث عن اسم الشركة وعنوانها للتأكد مما إذا كان الرجل صادقًا ، وبالفعل بحثت واكتشفت ان الشركة من أحد اكبر الشركات العالمية وأن مؤسسها مصري ولكنه بدأ في بريطانيا ولم ينسى بلده مصر وعاد إليها حين أصبح ناجحاً وفتح بها فرعًا لشركته "أماندا" فأحست بالارتياح والتفاؤل ،
ولكنها كانت جائعةً للغاية فلم تتناول شيئًا منذ الصباح امسكت جوالها وارسلت إلى اختها الصغيرة رسالة تخبرها فيها ان تأتي لها في غرفتها دون ان ينتبه والديهم ، ولم تتأخر اختها وأتت لها فوراً وضمتها
فقالت ديما: اشتقت لكِ كثيرًا اليوم يا رؤى
فأجابت اختها الصغيرة رؤى: وأنا أيضًا قد اشتقت لكِ كثيراً ماذا فعلتي اليوم هل وجدتي عمل؟
فحكت لها ديما عن احداثِ يومها وقالت: اهم شيءٍ الآن يا رؤى اني سأموت جوعاً ما الذي تغديتموه اليوم؟
فأجابتها: الأرزِ والعدس
فصرخت الأخرى: ماذا الأرزِ والعدس إنني سأموت جوعًا ولا يوجد إلا العدس حسبي الله ونعم الوكيل بالأمسِ تناولنا الخبزَ والفول والفلافل واليوم عدس
فردت عليها رؤى: احمدي الله نعمة وستزول من وجهك
فأجابت: الحمدلله ولكني لا أريد تناول العدس ، أقول كم تملكين في جعبتكِ من المال؟
فقالت لها: أملكُ عشرون جنيهًا
فردت عليها: جيدٌ جدًا وأنا أملك ثلاثون جنيهًا إذا جمعناهم سوياً سيصبح لدينا خمسون جنيهًا ، هل تناولتي العدس اليوم؟
فأجابتها: لا لم أفعل فأنا لا احبه
فقالت ديما: حسنًا ما رأيكِ أن تذهبي وتشتري لنا فطيرتين من المخبز مع كيسين من الشيبسي وسنسرق الجبنةَ من المطبخ؟
فردت عليها: حسناً ولكن ماذا اذا رأتنا أمي؟
فقالت: إنزلي بهدوء وسأأمن طريقكِ واذا رأيتي امنا فلتركضي إلى الغرفة وسأغلق الباب علينا بسرعة ، اتفقنا؟
فأجابتها: حسناً اتفقنا
وخرجت رؤى تمشي بهدوء لكي لا يلاحظها أحد وفتحت الباب وخرجت وهنا احست انها قد نجت ونزلت واشترت ما طلبته منه اختها وعادت إلى المنزل تفتح الباب بحذر ، وعندما فتحت الباب ومشت قليلًا وجدت أمها تقف خلفها حاملةً حذائها في يدها وكانت ديما تراقب كل هذا ففتحت باب غرفتها بسرعة
وصاحت قائلةً: اركضي يا رؤى اركضي وانجي بحياتك وبغدائنا أهم شيء
فركضت رؤى والطعام في يدها حتى وصلت الى غرفةِ اختها واغلقت ديما الباب بسرعةٍ بالمفتاح وقفت الأم على الباب
وهي تصرخ: أولم تكوني حزينةً ومكتئبةً يا ديما ما الذي جرى إذاً؟
فردت ديما: لقد جرى الذي جرى وجرينا معه يا أمي ثم إن الطعام لا دخل له بالحزن أصلًا
وضلت تصرخ عليها حتى تعبت ورحلت وديما ترقص بالغرفة مع رؤى فرحًا واحتفالًا بأنهم سيأكلون وتخبرها انها قد سرقت الجبنة من المطبخ بالفعل .
وفي ذلك القصر الكئيب يجلسُ ميلارد الرجلُ البائس الحزين وهو يتذكر ما قد حدث أخر مرةٍ بعد أن قرر أن تلك ستكون النهاية ووقف على حافة الشباك ،
رأى روبرت هذا المنظر وتبدلت نظرة الترحيب والسعادة إلى نظرةِ هلعٍ شديد وبدأ يصرخ وهو يركض تجاه اخيه ويترجاه ألا يفعل أي شيءٍ وألا يتحرك من مكانه فهو قادمٌ له فوراً ، ولكنه كان قد تأخر فقد قفز ذلك المجنون بالفعل من الشباك ولحسن الحظ لم تكن المسافة طويلة بما فيه الكفاية لقتله ولكنها كانت كافية لكسر عظامه ، ووجد ذلك الهالع الراكض الاخر جثةً تلقى على بعدِ عدة أمتارٍ منه والقلق والخوف كانا هُما سيديَّ الموقف ، طلب الإسعاف بسرعة وقدماه لا تحملاه والصراخ قد اذهب صوته بالفعل ، وصل الإسعاف وأخذ المغشى عليه والدماء تقطر منه وذهب معهم روبرت إلى المستشفى وأتضح انه قد أُصاب بكسرٍ في يده وقدمه اليسرى وكسر أنفه كذلك .
أوقف تفكيره في تذكر تلك الذكرى المؤلمة صوت نداء أخيه روبرت وهو يناديه قائلًا: هيا يا ميلارد لكي نتناول غدائنا
فرد: لستُ جائعًا ولا أريد تناول الطعام
فقال مجيباً عليه: اسمع يا ميلارد انت تدري كم من الخطير تأثير عدم تناولك للطعام عليك وقد استغرق شفائك والتئام عظامك فترةً تزيد عن أربعة أشهر كاملين لأن جسدك متهالك ، وأعلم انك إذا لم تأكل من نفسك فسأترك طعامي واطعمك بنفسي
فقام الأخر مجبرًا ليتناول طعامه وعم الصمت لفترة ،
فقرر روبرت كسر هذا الصمت قائلًا: ماذا تنوي أن تفعل غدًا وانت بالشركة؟
سكت الأخر قليلًا وقال وفي عينيه نظرةً لا توحي بالخير: حسنًا يا أخي لن اجادلك في هذا
فرد عليه: هداك الله يا أخي
ولكن ميلارد كان ينوي اخذ الامر بتحدي وعزم على تنفيذ ما في رأسه ولو كان بالشركة .
وفي صباحِ يومٍ جديد كانت تقف ديما أمام باب الشركة تدعو الله أن يوفقها جاهلةً عن ما ينتظرها من جنونٍ وجحيم في تلك الشركة ، وكان ميلارد وروبرت في طريقهم إلى نفس تلك الشركة بينما روبرت يجهل كل ما ينوي أخيه فعله ، والقدر يُخبأ لكلٍ منهم ما لا يتمناه .

أنت تقرأ
صوب هاوية الهوى
Fantasyفي عالمٍ تحكمهُ المظاهر ويتخفى بين ثناياه الحقد يترعرع الشاب الذي اعتاد على أن يكونَ نجمًا لامعًا محبوبًا يلتف حوله الجميع ، وتنمو فتاة اعتادت ان تكون مرحةً ومفعمةً بالطاقة منذ الصغر ولكن يرى من حولها أن افعالها صبيانية لا تليق بفتاة ، يعيشان بشكلٍ...