الجزء السادس

43 4 2
                                    

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .

أعتذر عن التأخر جددا

نسيتُ الأمر تماما ، خصوصا وأنّ لديّ مكانا آخر أنشر فيه الرواية . .

تفضّلوا الثلاثة أجزاء السادس والسابع والثامن . .

-" هل مررت اليوم على ذلك المقهى كما تفعل بالعادة ؟ "
سأل بفضول وهو يحدق بتركيز واهتمام في يمان الجالس على الطاولة نفسها التي اتكئ عليها بيده مميلًا جسده إليها،ولم يطل انتظاره،أجابه يمان وهو يعبث بيديه المرخيتان إلى حجره :-"أجل،لكنني كنت مستعجلا فغادرت سريعا بعد أن التهمت وجبتي دون أن تتسنى لي رؤيته "
انبرى رفيقه نحيل البنية يقول وعيناه تلتمعان : -"تقصد ذلك الشاب المريب الذي آلت له رئاسة المقهى قريبًا صحيح ؟"
تأفف يمان بانزعاج بارد ولم يلتفت إلى وارِف :-" حتى أنت أصبحت تتحدث عنه بهذه الطريقة الملغزة !
حقًا يتراءى لي أن تلك المحاولات السخيفة من أولئك الناس الجهلاء لتشويه صورته قد نجحت تقريبًا !
يالكم من أناس مملين !"
رفع وارِف حاجبه الأيسر وتأمل في يمان كما ينظر الشخص إلى امرؤٍ قد سحرت عقله ضلالة ما،ثم قرر فجأة أن يتكلم :-" اسمه ذاك . . ماذا كان ؟ . . آه صحيح،غارِب،هل أنت متأكد أنه اسمه الحقيقي ؟ أيّ والدين أغبياء يطلقون على ولدهم هذا الاسم !" تجاهله يمان،رغم أن هذه النظرة المستفزة المستحقرة التي يوجهها نحوه تجعله يودّ لو يدخل يده في بطنه ويلعب بأحشائه،فانتفشت سخريته أكثر،واسترسل قائلا :-" أتعرف أيضًا ؟ يقال أنه سكّير سابق !" رفع يمان إحدى ساقيه ووضعها على الطاولة،ثم عاد إلى الوراء مسترخيًا ببرود،وبتجاهل كامل أخذ يجيل ناظريه في الغرفة الشبه ضيقة،محاولًا ألّا يفكر في فعل أيّ شيءٍ غبي.
-
صوت المياه المندفعة في المواصير يصل إلى سمعه خفيضًا وناعمًا،ارتعشت يده قليلا من برودة المياه التي انسكبت من الصنبور بضعف،إنه شاردٌ تمامًا،بينما يحرك يده ببطء ليغسلها تعصف الأفكار بذهنه
" إنكم تتمشون برفقته في أرجاء الحي ولا تشعرون أو تعلمون بتلك الأقاويل والظنون السيئة التي تحاك في الخفاء عنكم"

كان هذا آخر ما قاله له وارِف الأحمق الذي يدمن التذاكي،ويموت لو لم يظهر نفسه كإنسان فهيمٍ وحَذِق،ياللسخف،ألا يمكن أن يكف هؤلاء الناس عن ادّعائهم بمعرفة وملاحظة الحقائق ولو من مسافة بعيدة ؟ من منهم يعرف غارِب أكثر منه !

ما كان ليصدّقهم أبدًا،وهو قد سبق له أن اشتمّ رائحة قلبه،رائحة قلبه الصافية الحقيقية،لقد كان قلبه يفور كمدًا وقتها،لقد عرف هذا من نظرة عينيه،كانت راجفة وحزينة كشرارة توشك أن تنطفئ.

كان ذلك في اليوم التاسع عشر من أيلول الماضي . .
مضى وقت على خروج الناس من المساجد وعودتهم إلى بيوتهم.كانت السماء سوداء ولا يوجد أثر ظاهر لأي نجمة،سماء صمّاء ومنبسطة كنوم بلا أحلام.الشارع خالٍ تمامًا وليس من أحدٍ حوله ولا القطط الشاردة.هناك فقط الصمت،والسكون والجمادات،مامن هفة رياح واحدة.بجانب عمود إحدى المصابيح المضاءة كان واقفًا،يداه معقودتان إلى صدره،ونظرته صامتة تحدق في الفراغ بينما رأسه يحوم في اللاشيء.لا يعرف لمَ لا يريد الذهاب إلى المنزل،يبدو له الآن عندما يعود إلى تلك اللحظة من الزمن عبر ذاكرته،أنّه القدر،شاء الله ألّا يتحرك من مكانه قيد أنملة.وفجأة،سمع صوت خطوات،تلّفت وهو يشعر بلهفة عصية على التفسير،وهاهو،يراه،يمشي كسيرًا،يجر قدميه،وعيناه شاخصتان.هبّ يمان واستقام في وقفته،مصدومًا أخذ يتأمل في هيئة الذي يحث إليه الخطى دون أن يدري،حقًا،حقًا إنه غارِب ! عجبًا،مالذي حصل له،جزء ليس بقليل من قميصه قد اختفى،ولكن لا يبدو أنه قد تمزق،إنما تدل أطرافه المسودّة على أنه احترق،وهذه الآثار الحمراء المتجعدة على جلد ساعده وجزء من صدره ! تقدّم يمان وابتلعت قدماه المسافة التي كانت تفصلهما بسرعة،توقّف أمام غارِبْ وهو يلهث،لا يزال لا يشعر به ! قطّب حاجبيه ومدّ ذارعيه ليحرك كتفيه وهو يناديه باسمه،أخيرًا انتبه إليه غارِبْ،وأخذ يطرف بعينيه عدة مرات كشخص للتو استيقظ من غيبوبة !
-" يمان . . ."
همس بضعف،كان صوته مبحوحا،وعيناه محمرتان تماما،رفع يمان حاجبيه مندهشًا،وحركت الرياح التي قدمت فجأة من الشمال سترته وشعره الأسود :
-" غَاربْ ، يا إلهي مالذّي أصابك ؟ "
-" يَمان . ."
أعاد غارب همسه الخفيض ، وقبل أن يباغته يمان بالسؤال ثانية،أرخى ناظريه والتقت عيناه الذابلتان بعيني يمان :
-" لقد التقيتُ فتاة . . "
-" مرّة أخرى ؟ أهي تلك ؟"
تنّهد غارِب،تراجع وجلس على الرصيف بخمول وبطء،جلس يمان فورًا بجانبه،تكلّم الأول بصوت بائس :
-" فتاة أخرى . . لكن هذا ليس مهمًا . . إنني . .
أطرق برأسه وخللّ شعره الأشقر الكثيف بأنامله :
-" إنني . . فعلتُ شيئًا رهيبًا . ."
-" لقد . . قمتُ بحرق منزل "
شهق يمان بصدمة ، ثم تمالك نفسه وأسند مرفقيه على ركبتيه :
-" هل آذيتَ أحدًا ؟ أي منزل . . . أشعلت فيه النار ؟ "
-" أجل . . "
سَألَ مذعورًا :
-" من ؟! "
-" نفسي . . لقد آذيتُ نفسي "
قالها ببرود ، لكنها وياللغرابة كانت من الداخل تسحقه . . ولم يبدُ من يمان أي ردّ فعل غير الصّدمة والذهول
،استمر بالاستماع فقط لهذه الكلمات المؤلمة :
-" لقد حرقتُ منزلي،وآذيتُ نفسي . . لكن،لم يحدث شيء ! "
زحف يمان إلى الجانب الآخر قليلا ، إن رغبته بالنفور من غارِب في هذه اللحظة بالتحديد ، تكاد تمحو كل ما في قلبه له من مشاعر صداقة ، لكنه رغم ذلك عاود الكلام هازئًا بنفسه وقلّة وفائه ، وسأله بوجل وهو يتفحّصُ بحزن آثار الحروق الظاهرة على جلد غارِبْ :
- " لماذا . . حرقتَ . . منزلك ؟ "
أجاب ، مُطرقًا ، وقد أرعشه الهواء البارد قليلًا :
- " لأنّـه الماضي . ."
- " وماذا عنِ الماضي ؟ "
رفَع غارِب وجهه قليلًا ، فلمح بطرفه الشارع الخالي ، صمتَ قليلًا ، وقبل أن يتكلم ثانيةً ، غرقت نظرته في الدمع ، وعضّ الأسى قلبه :
- " الجوع . . والحيرة ، والقدرة العمياء . . والندم الطويل "
واستحضر في مخيلته صورة شخصٍ ما ، وأوشك يمان على الشعور بالرعب حقًا الآن ، وماذا بعد هذه الكآبة الشاعرية ؟

العَجَلة الدّوّارَةحيث تعيش القصص. اكتشف الآن