المنجم
بكاء والدته المتواصل منذ ايام دمره كليًا ... فبعد ان شاهد اغتيال اسرته بالكامل علي يد عمه القاتله اقسم علي الانتقام ... اقسم علي الانتقام في كل دقيقة قضاها يراقب جثة والده... لكن بكاؤها الان يمنعه عن التركيز ... لم تتوقف عن البكاء لثانية واحدة طوال الاسبوع الماضى ...
بعد مغادرة فؤاد لغرفتهم ,, احتوته امه بين ذراعيها الممتلئتين بالكدمات واغلقت الباب عليهما بالمفتاح ... وفقط واصلت البكاء .. في الصباح التالي .. رامى شاهد بعض الاوراق تندس من تحت باب غرفتهم ركض يتفحصهم لانه كان يتوقع الاسوء ...
فؤاد نفذ تهديده والاوراق التى يحملها رامى الان بين يديه هى شهادات وفاتهم ... لاول مره في التاريخ شخص يري شهادة وفاته بعينيه .... فؤاد محى عائلة فريد المنصوري من علي وجه الارض... الظلم والاستبداد بلغ حده وعمه ترك جثة شقيقه طوال الليل مع اسرته المدمرة ... ومع كل دقيقة قضاها في الغرفة بجوار جثة والده تنامت في داخله الرغبة في الانتقام .... اخر كلمة قالها لفؤاد وهما يغادران الي البرازيل بعد اسبوع من الحبس الاجباري في غرفتهم بالقصر ... قال..." ستدفع الثمن ...صدقني لن اتركك .. انتظر انتقامي "
ضحكة السخرية التى ارتسمت علي شفتي عمه اعلمته انه لا يأخذ تهديده بجدية ... فجبروته لن ينحنى امام تهديد طفل لم يتجاوز الحادية عشر
لكنه وجد نفسه في وضع المسؤلية فحاول انقاذ ما يمكن انقاذه .. نعم سوف يرحل من ذلك الجحيم الذي عاش فية سنوات عمره كلها لكن اكثر ما كان يؤلمه هو تخلي لارا عنه ...لارا لم تحاول ان تتحدى سلطة والدها كما كانت تفعل وتأتى لزيارته ولو من خلف الباب ... سوف يرحل ويتركها خلفه ... لن يحاول اخذها معهما فهى لا تستحق ... فقط لو كانت اظهرت بعض الدعم لكان حطم القصر واخذها بالقوة... لكنها خائنه وخسيسة مثل والدها ....
والدته الجميلة ذبلت وازدادت سنوات علي سنوات عمرها الرابعة والثلاثون ...
عندما وصلا البرازيل كانا مفلسين تمامًا ... فعمه لم يسمح لهما حتى بأخذ مجوهرات والدته الشخصية ...بأعجوبة تمكن رامى من التسلل الي غرفته واصطحب معه مدخراته الشخصية ...لم يكن مبلغ كبير لكنه يكفي ... قبل مغادرتهما مطار القاهرة رامى علي والدته كى تجيب علي اسئلته
- امي ارجوكِ اجيبيني ... هل النقود المصرية ممكن تداولها في البرازيل..؟ هزت والدته رأسها بالنفي ...
فلمح مكتبًا لفرع صغير من فروع المصرف المتحد الشهير في صالة المطار حيث يجلسان .. قرر بنفسه استكشاف الامر فهو كان يعلم ان والدته لن تفيده كثيرًا في حالتها تلك...
- من فضلك سيدى ...هل اجد لديكم عملة البرازيل ...؟
الموظف نظر الى رامي بدهشة واجابه ...- لا للاسف لا يوجد
اليأس والاحباط البادى علي ملامحه دفعا الموظف ليسأله بإهتمام ...
-هل ستسافرالى البرازيل ...؟
هز رأسه بيأس ...
- نعم ولدى بعض النقود المصرية لكن امي اخبرتني انها لن تفيد هناك
الموظف سأله بفضول اكبر ...- اذًا لماذا لا تترك لها هى الاهتمام بالامر..؟ بالتأكيد هى ستتصرف
رفع رأسه بكبرياء....
- هذه التى تجلس هناك هى امي ...هل ترى كم هى حزينة ...؟ والدي توفى منذ اسبوع ومن وقتها هى لم تتوقف عن البكاء وانا احاول مساعدتها سنعود الي بلدها البرازيل لنقيم فيها وانا لدى مبلغ من المال واردت تغيره لعملة البرازيل .. بالتأكيد سنحتاج اليه فور وصولنا .. ابي كان يفعل ذلك قبل سفرنا إلي اي دولة اجنبية كان يستبدل بعض النقود من المطار بعملة الدولة التى سنسافر اليها ... الموظف فتح فمه بإنبهار ... ذلك الطفل الواقف امامه يحمل من الرجولة والجلد اكثر مما قد يحمله بعض الرجال ....
- تستطيع استبدالهم بالدولار ...بالتأكيد افضل من المصري ... البرازيل بلد كبيرة والدولارات يتم تداولها هناك ...
رامى اخرج المال الذي اخفاه في ثيابه واعطاه للموظف ...
- حسنًا جدًا ...ابدلهم لي اذًا ...واخبرنى بقيمتهم بالدولار
الموظف ابتسم بحنان بالغ واخبره بتقدير واضح ... - رائع ...انت ثري .. معك مبلغًا كبيرًا ..2200 جنية
رامي اجابه بحزن ...- نعم هذا كان مصروفي كنت اوفره حتى اتمكن من شراء بيت الدمى الذي كانت لارا تريد وضعه في الحديقة ... ابدلهم الي الدولارات من فضلك ....
الموظف قال بجدية من يعقد صفقة هامة ....
-سأعطيك افضل سعر لتغيير الدولار ...
تفضل دولارتك وبالتوفيق ... اتمنى ان ارى ابني مثلك يومًا ما ...ما اسمك يا بطل ..؟
- رامى فريد المنصورى .. الموظف مد يده ليصافح رامي بتقدير.... - وانا اسمي يحي ... حسنًا رامى اقامة سعيدة في البرازيل لكنى اريد ان اطلب منك شيئًا ما رامى فلا تخذلني
- أي طلب ...؟
- انا اكيد من ان هؤلاء السبعمائة دولار هم كل ما تملكان ... اتمنى ان تقبل مني ثلثمائة دولار ليصل المبلغ الى الالف دولار ... لتتمكنا من تدبير اموركما حتى تستقران .. وبالطبع رفض بكبرياء تتخطى سنوات عمره ..
- اسف انا لست شحاذا ... انا اغير نقودي فقط ولا اقبل الاعانة ...
يحى اخبره بلطف ...
- لا يا رامي انت رجل رائع .. اعتبر الثلاثمائة دولار خاصتي كقرض مؤجل وسدده يومًا ما .. انت سيكون لك شأن عظيمًا في المستقبل ... هذا هو كارتي الشخصي عندما تعود مجددًا الى مصر وانت ناجح ابحث عني واعد لي نقودي .. سأنتظرك...
رامى تردد لبعض الوقت لكن يحى وضع الالف دولار والكارت في جيب سرواله واحتضنه بحنان ...
- اذهب وساند والدتك هى بحاجة اليك...
النداء الاخير لطائرة البرازيل تكرر ... فنظر اليه بإمتنان ثم غادر مع والدته للحاق بالرحلة ...
يحي شعر برغبة في البكاء وهو يراقبهما يغادران لكنه كتمها ... هذا الصبي يحمل كل صفات الرجولة من يومه ... اليوم كان يتسم بالهدوء ولم يتعامل مع الكثير من الزبائن ... ذلك الصبي اثار مشاعره بشدة وقلة العمل ستجعله يفكر فيه طوال اليوم وربما تغلبه دموعه ... قرر الهاء نفسه عن رامي بالجريدة اليومية فهو لم يقرأها حتى الأن تصفح الجريدة بملل وعجز عن اخراج رامي من تفكيره ... عيناه تجمدت علي خبر زلزل كيانه ...
خبر وفاة اسرة بالكامل تنتمى لطبقات المجتمع الراقي كان يحتل صفحة كاملة من الجريدة اليومية ... لم يكن الامر بغريب فالاثرياء عادة ينشرون اخبار زواجهم ووفاتهم علي صفحات الجرائد لكن الامر الذي جعل عيناه تقفز من محجريهما كان رؤيته لصورة رامي ووالدته ورجل اخر في اواخر الثلاثينيات وتحت الصورة خبر يقول ... " مصرع الدكتور فريد المنصوري واسرته في حادث مروري مروع الاسبوع الماضي "
يحي قفز بفزع من مقعده واتجه الى حيث غادر رامي مع والدته ... عاد الى مكتبه وهز رأسه بعدم تصديق ...
**********
الغرفة التى تمكنا من استئجارها في حى روسينها كانت اقذر ما يكون لكن ميزانية رامي كانت في تناقص مستمر ...
وحبست والدته نفسها في الغرفة طوال الوقت ومازالت لا تستطيع السيطرة على انهيارها ... لغته البرتغالية كانت جيدة الي حد ما لكنه كان يعاني ويتعرض للمهانة بسبب اسمه الغريب وديانته ...

أنت تقرأ
رماد العنقاء
Romanceكالعنقاء نفض عنه رماده وعاد يبحث عن انتقامه ... في طريقه للنصر تعلل بأن الغاية تبرر الوسيلة فبرر لنفسه الخطيئة خاض حربًا بلا هوادة لكن عندما انتصر لم يشعر بالسعادة فقلبًا تغذى على الحقد دومًا لن يعرف يومًا طعمًا للراحة ... من اعت...