تقاطع عالمين

4.5K 108 0
                                    

اعترض طريقها عندما فتحت الباب، كان قريبا منها بمثابة النفس كل ما كان يحاول فعله أن يقترب حتى يفهم أن يندمج مع عالمها الذي لم يَرَ مثيله من قبل و ربما فقط ربما لهذه المرة قد نجح..
###
" ماذا هناك أيتها الطبيبة ؟ أراكِ قد تأخرت أتمنى ألا يكون هناك أي خدع تحيكينها فحقا سيكون الأمر حينها سيئا جدا " قالها متحاملا على نفسه و ألمه ، تأملت قليلا و هي تضم أطرافها إليها أكثر و أكثر حتى تصنع مسافة بينها و بينه ، لم تكن تستطيع أن تنكر على الإطلاق أن شيئا بطريقة كلامه كان يعذبها و يخيفها لسبب من الأسباب ، فكلماته تخرج منه بثقل و ضغط و كأنها تحمل ثقل ذنوبه ، همسه ذاك يشبه خروج نفحات النار التي تسكن قلبه و هكذا تكون كلماته حارة و مُعَذِبة و مٌعَذَبَة جدا
" هل يمكنك أن تبتعد قليلا لو سمحت " قالت باحترام شديد و هي تزاد انكماشا على نفسها و تراجعا للخلف و هو قد حاصرها بوضع يد على الحائط و الأخرى طرف الباب
" ان كنت تحرتمين من يصوب السلاح إلى رأسك بهذا الشكل أيتها الطبيبة فأنا أراهن أنك تعانين..في هذا العالم " قد وضع فرحات يده على جروح قلبها بكلماته فحاولت أن تتجاهله " عليك ألا تجهد نفسك فجرحك حديث " قالت و هي تحاول تفاديه فلم يسمح لها " الجرح جرحي و أنت التي تتألمين أليس كذلك ؟ " قالها و كأنه معاتبا على وديتها السابقة مع نجاد و لكنه لم يكن معترفا - حتى لنفسه - بهذا الأمر
" حقا ؟ أنا فقط أحاول معالمتك كإنسان ليس أكثر ! إنني أعلم جيدا ما هو ألم هذا الجرح لأنني فقدت أخي لنفس هذا السواد الذي تغرق فيه الآن ، أنا فقدته لنفس تلك النظرات الباردة و المعاملة القاسية ، و أخبروني بعد كل ذلك أنه أصبح في التراب و لكن أتعلم ماذا ؟ حتى الآن انني لا أعلم أي تراب يحتضن عظم أخي ! أنا أعلم ألم هذا الجرح لأنني أول من داويت كان أخي الذي كان مثلك..و ان كنت أحترم أحدا ما الآن فالآنني أحترم نفسي..و رغم كل شئ أحترم أخي " قالت بغضب و حزن و تحدٍ و هي تنظر مباشرة إلى عينيه بعينيها الدامعتين و حينها فقط أزيلت الحواجز و هدمت الأسوار و بدأ كل منهما يسمح للآخر بأن يتعرف إلى عالمه
" ابتعد لو سمحت " قالت مجددا و ما ان انزل يده حتى سارت مسرعة إلى الخارج أما هو فوقف لوهلة في محاولة لاستيعاب كلامها و ما قالته و ذلك الجزء الذي يحترق في داخله منذ الأزل منذ رؤيتها أصبح يزداد احتراقا و في هذه اللحظة بالذات استعرت هذه النيران أكثر و أكثر بداخله لتخبره بأن تأثيرها بداخله بدأ يصبح فعالا..
خرجت ميرا لتجلس بعيدا عن كل من نجاد و فرحات و هي ما تزال منفعلة
" ايه ماذا سنفعل الآن ! لا أعتقد أنك ساعدونا إلى تناول طعام العشاء أليس كذلك ؟ قد تأخر الوقت بالفعل.." رجع فرحات إلى تلك الوضعية القاسية الباردة محاولا إخفاء نظراته - الجانبية- إلى ميرا و تجاهل ألم جسده و قلبه
" خذوا الذي ترويدون و اذهبوا ! " أجاب نجاد و هو يحاول أن يعدل جلسته و لكن ميرا لم تذهب إلى جانبه هذه المرة بل أشاحت وجهها عن الجميع و أخذت تهز قدميها في توتر و عدم ارتياح و هي تحاول السيطرة على دموعها
" كنت أتمنى لو كان الأمر بهذه البساطة يا سيد نجاد و لكن ذلك الخيار كان متاحا فقط في البداية لهذه اللحظة حسابات أخرى " قال فرحات و هو يمدد قدميه على الطاولة التي أمامه
" ماذا تعني ؟ " سأل نجاد في توتر و عيناه تضيقان في ألم
" الآن اذا كنت تريد أن تبقى على قيد الحياة فإنني أريد ضمانا أنك لن تخوننا ! فكما تعلم نحن لا نؤذي من هم منا " ظهرت ابتسامة التحكم و السيادة على وجه فرحات فقد كان يعلم جيدا مدى سوء نجاد من الداخل و كيف أنه في سبيل حياته سيفعل أي شئ و هذا أكد لفرحات أنه سينتصر
" لم أفهم.." سأل نجاد في حيرة
" لتكن الطبيبة زوجتي " قال فرحات وسط ذهول و صمت الجميع بعد أن خرجت هذه الكلمات من فهمه و لم يكسره سوى ضحك الطبيبة الهستيري غير مصدقة لما يقول و أخذ كل منهم ينظر إلى الآخر في دهشة
" و ما دخل الطبيبة في هذا الأمر ؟ أنا أضمن لك ما تريد بالأموال حتى بحياتي " قال و ميرا مستمرة في الضحك
" ماذا هناك أيتها الطبيبة ؟ هل سعدتِ بالعرض إلى هذه الدرجة كنت تبكين منذ قليل ؟!" قالها فرحات مستفزا فنظرت إليه و ابتسامتها بدأت تتلاشى و ظهر مكانها تعبير غاضب أكثر من ذي قبل " اه والله كانت مزحة جيدة ، أعجبتني كثيرا " قالت بنظرات متحدية
" من قال أنها مزحة ؟ " قال فرحات و هو يتحداها بنظراته أيضا و لكن خلف تلك النظرات كانت هناك تلك الرغبة العارمة في أن يحميها ، أن يجعلها بجانبه و أن يجعلها ملكه
" لا دخل ل ميرا بهذا الأمر يا فرحات ، أنا أضمن لك بالأموال أو بحياتي أو بما تريد ! " قال نجاد في محاولة لإخراج نفسه من هذا الموقف و لكنه كان يعلم أنه الضعيف
" حقا ؟ مثل هذه المرة ؟ انظر إليّ حتى تظل واقفا على قدميك بعد أن نخرج من هنا يجب علي أن أخرج مع أحدهم طفلك الصغير أو الطبيبة ! إن لم يحدث فأنت و الطبيبة ستخرجان على ظهوركم و ذلك الصغير سوف يعاني حتى أنه ربما سيغرق في نفس هذا السواد يوم ما " قالها فرحات محاولا أن يظهر له أن حياته هو و الطبيبة في خطر فعلا
" لا يمكنكم أن تدخلوا دينيز ضمن هذا الأمر " قالت ميرا غير مصدقة أن جميعهم يمكنهم أن يكونوا بهذه القسوة و قلبت نظراتها بينهم جميعا بينما كان الأخرس و عابدين صامتين ببلاهة لا يستطيعون فهم ما يجري
" ماذا نفعل أيتها الطبيبة ! أحيانا يجبر الأبناء على أن يدفعوا ثمن أخطاء الآباء " قال فرحات محولا نظره بين نجاد و بينها
و نظرت هي إلى نجاد نظرة استفسارية فأشاح بوجهه بعيدا عنها إشارة باعترافه أنه مذنب و أن قول فرحات الحق
صمتت ميرا لبرهة و مسحت تلك العبرات التي تساقطت من عينيها " حسنا أنا أفعل أنا أخرج معك " في تلك اللحظة ابتسم فرحات ابتسامة النصر
" حسنا ! لقد سمعتم الطبيبة يا أخوة أحضروا الأمانة و لنذهب " قال فرحات و هو لم يزح نظره عنها
" ميرا.." حاول نجاد أن يعترض أو يبرر الموقف
" تمام يا سيد نجاد ! لا تحتاج أن تفسر لي فكل شئ واضح و لكن كل ما أطلبه منك أن تكون هذه النهاية فيما بيننا ! لتكن حياتي التي سأضحي بها الآن هي ثمن ديني لك كل هذه السنوات ! أنا أعلم أنك قد ساعدتني بعد أن ذهب أمي و أبي ، أعلم أنك قد أخفيت حقيقة أخي و ساعدتني في الحصول على حياة طبيعية و لكن أنا لا أستطيع أن أكمل بهذا الشكل..مع هذا الرجل أنا سأموت مل يوم حتى ذلك الْيَوْمَ الذي سيمنحني فيه رصاصة الرحمة ، بعد أن أقول نعم لهذا الرجل لن أكون صالحة لأي شئ على الإطلاق حتى لو نجوت منه أو نجوت بعده لأنه و أنا في هذه الحالة ليس لدي الكثير لأعطيه و بعده لن يكون هناك أي شئ ليُعطى ، لذلك ليكن دينيز فقط بيننا و ليكن ثمن حياتي هو حطامها يا سيد نجاد " قالت و هي تنتحب ، بأنفاس متقطعة ، حزينة جدا لدرجة الموت لدرجة البؤس
و هناك نظر نجاد بقلة حيلة و معترفا بأنه لا يستطيع التخلي عن حياته أيضا كما لا يستطيع التخلي عن حياتها ، نظر إليها مخبرا بأنه عاجز رغم كل جبروته ، مخبرا إيها بأنه وداع أخير
نظر فرحات إلى هذا الوضع و كان يبدو وجهه باردا خاليا من أي ملامح و لكنه في الحقيقة لم يتوقع حزنها بهذا الشكل ، لم يتوقع أن تتحامل على نفسها بهذا القدر بحيث أن كل هذا الحزن لم يكن عشر ما بداخلها حتى
" سأجمع أغراضي و نذهب " قالت ميرا و هي تذهب مسرعة و كل من فرحات و نجاد يتأملونها
" هل تظن أنك فزت هكذا ؟ " سأل نجاد بغضب و هو يحاول الوقوف
" ليس الأمر عن الفوز و الخسارة و أنت أكثر من يعلم " قال فرحات و هو يقف أيضا و يسير إليه بهدوء و خطوات ثابتة
" إنك تأخذها الآن و لكن أقسم بأنك ستدفع الثمن ! هذه ليست فتاة عادية فمنذ أن خُلقت لم تستطع التأقلم مع هذا العالم..إنها تظن نفسها سيئة جدا و لكن في الحقيقة هي جيدة لدرجة لا تستطيع أنت تخيلها ، ستعرف جيدا تفردها مع الوقت و حينها فقط ستأخذ منك و ستعيش ما لم تعشه قبلا و لكن لأنصحك نصيحة لتتذكر و لتحذر من تلك الأوقات التي سترتدي فيها كعبا عاليا ، من أن تقلب الخاتم في يدها اليسرى رأسا على عقب ، عندما تصمت لفترة طويلة و عندما ترتدي كأنها الوحيدة و الأخيرة في هذا العالم ! في تلك الأوقات أنت ستعلم ماذا أعني " قال نجاد متحديا ، محذرا ، مبرزا ذلك التفرد العجيب لها
" و الله لا أرى مشكلة في كل ذلك ! إنها امرأة لذلك المشكلة أنها لا تفعل كل ذلك..من كلامك بدأت أندم بالفعل فهي تبدٌ مريضة عقلية " قال فرحات متظاهرا بالاستهزاء رغم أنه كان يأخذ كلمات نجاد على محمل الجد
" حسنا استهزء ! عندما ترى هدوءها و انفعالها ، حنيتها و قسوتها ، تفاصيلها الصغيرة التي تجعلك غارقا في التفكير فيها ، حياتها المستمرة داخل عقلها بحيث لا يدخل أحدهم إلى هناك و لا تشارك هي العالم بما فيه ، ردات فعلها المفاجئة في كل مرة ، الأمور الصغيرة التي تعولها و الكبيرة التي تمر عليها مرور الكرام ! أنا درست هذه الفتاة أكثر من روحي لذلك أنا أعلم ! " قال نجاد هامسا له في أذنه مهددا و كأنه يرد له موقفه السابقة
" لا تقلق أضع هذا الكلام في عقلي و آخذ حذري " مع انتهاء جملة فرحات كان الجميع جاهزا
" هيا " أمر فرحات بجدية و اتبعه الجميع في هدوء حتى ميرا التي نظرت مودعة نجاد بدون ان تنطق بأي كلمة

حب ابيض اسود...(الحب القرمزي)حيث تعيش القصص. اكتشف الآن