..بلون الدم

2.5K 54 0
                                    


ارحل...لا تبقَ، رجاءً
لا ترحل، بل ابقى، إنّي كذبتُ عليكَ
لا تصدق قولي، فلست مستعدة البته لنفترق
فثمة الكثير من الأمور لنحياها سويًا، أمور لم نكملها سويًا
لا ترحل، ابقى، فإني اشتقت إليكَ بالفعل بجنون
( سيزن أكسو - ارحل )

###
إذا كان نصفي يحبك و الآخر يقاومك فإن في فقدانك يموت النصفان ذلك الذي كان أرضك و ذاك الذي حاربك..
   ###
تسمرت ميرا  في مكانها عندما سمعت صوت الرصاص ، ارتجف قلبها كما لم يفعل من قبل ، احمر وجهها و كأنها نهايتها هي رغم أنها تعلم أن هذا الألم يخصه هو و لكن ألمه بالنسبة لها أكبر بكثير مِم يخصها ، هي علمت ذلك في هذه اللحظة فقط ، استجمعت كل ما لديها من قوة لتلتفت لتجد جسده قد اصطدم بقوة بالأرض و تفجر قلبها لأشلاء مع اصطدامه ، ركضت إليه غير آبهه بتلك الأسلحة التي ما تزال مصوبة تجاهها ، ذلك الركض الذي بدأته انتهى سريعا جدا و انتهى إلى فرحات مجددا
" فرحات.." بالكاد استطاعت لفظها بعد ان أخذت نفسها بصعوبة
" أرجوك..لتجبنِ" قالت وهي تبكي تهزه و هي غير مصدقة لما حدث
" يداي..مثل الجليد " قال بصعوبة من الألم و أيضا من صدمة جسده و عقله
لمست ميرا يده و أخذت تدفئها غير مصدقة أن هذه هي اليد التي كانت تمسك بها قبل لحظات ، غير مصدقة أن قلبه الذي كانت تسند عليه رأسها البارحة يواجه احتمال أن يتوقف ، أن دفء جسده الذي اعتادت عليه يذهب هو الآخر كما ذهب كل شئ
انطلقت رصاصة اخرى فانكبت عليه لتحميه ، كانت تمسكه بكل قوتها كأم تحمي صغيرها الوحيد في الحرب ، هي تعلم جيدا أن جسدها لا يكفي لجسده - فهو صغير جدا ليمنحه الدفء أو ليمسكه جيدا أو ليغطيه - و قوتها لا تكفي لقوته فحتى في هذه الحالة يزال هو الأقدر على جسده و هي أمام قوته عاجزة ، عاجزة أن تحمله كما فعل هو البارحة، عاجزة أن تنقله دون مساعدة أحدهم فحتى في هذه الحالة هو تمتع بذلك النوع من الكبرياء الذي دائما ما يوصله إلى حافة الموت .
بدأت أخيرا في استيعاب الموقف عندما رأت تلك الطائرة التي تحمل كاميرا مراقبة صغيرة و بدأ صوت خطوات الرجال يقترب أكثر و أكثر حينها علمت أنه حتى و إن كانت قوتها ليست كافية فعلى شجاعتها أن تكفي
خلعت حجابها الطويل و تركت القصير و بدأت في محاولة وقف النزيف و هنا استفاق فرحات قليلا " اذهبِ..قبل أن يأتوا..اذهبِ" كان يأمر وهو في هذه الحالة كان يسمع صوت قدومهم و لكنه لا يشعر بأي جزء من جسده و لا يستطيع أن يحرك أنملة من يده ليوقفهم .
مسحت ميرا دموعها و استمرت في الضغط على جرحه لإيقاف النزيف " أنا أموت..لن يتركوني حيّا..قلتِ أنني قيدك ..حرة أنت " قال بكل ما تبقى لديها من قوة و كان قد وصل الرجال إليهم بالفعل
" ماذا تريدون..اتركونا " قالت وهي تنظر إلى أحد الرجال الواقفين أمامها
صفعها الرجل صفعة قوية لدرجة أن فمها نزف و لكنها لم تظهر ضعفها رغم هذا الألم وهذه الإهانة " ايه يا امرأة..لا يجب أن يعلو صوتك، يجب أن تستجدي لأجل حياتكما و حسنا سنترككم و لكن لنعطيكم توصيلة أولا.." قال الرجل و أمر رجاله بأن يسحبوا فرحات و سحبها هو " ماذا تفعل..اتركني..لا تلمسني..انظر لنفعل الذي تريدونه و لكن اتركني اذهب به إلى المشفى " قالت في مفاوضة و ليس في توسل
" انها أوامر الزعيم لو كان علي كنت أطلقت على رأسه صدقيني..لكنت قطعتك أولا لأشلاء أمام عيني حتى يتعذب و بعد ذلك أعذبه حتى يموت..انت تظنين له قلبا أليس كذلك ؟ انه فقط يهتم لأنك تخصينه أمام الناس غير ذلك هو يلقيك أمام الذئاب.." أنهى كلامه و هو يلقيها بعنف في السيارة بجانب فرحات تأوّهت قليلا " أرجو أن تتعلمِ درسك "
لم تأبه حقا لكلامه و هو لم يعطيها فرصة للرد فالتفت مجددا إلى فرحات الملقى بجانبها لتسحبه بصعوبة لتجعل رأسه مستقرا على صدرها و يد من أيديها مستمرة على الضغط على جرحه و الأخرى تمسك بيده 
فتح فرحات عينيه ، لم يكن مدركا لأي شئ بالفعل سوى وجودها ، كانت نوافذ السيارة غامقة لذلك حتى ضوء الشمس لم يكن يدخل ، وجودها هو كل ما تبقى له في هذه اللحظة " كان عَلَيْكِ أن تذهبي..لماذا لم تذهبي " كان ضعيفا جدا في تلك اللحظة ، كانت كلماته بمشاعر مختلطة : عتاب و غضب  و اندهاش و خوف و ربما حتى بعض التوسل ، يتوسل لها أن تذهب و تنقذ نفسها و يتوسل لها أن تبقى ، هو تعب جدا من الحياة و من نفسه ، هو يريد أن يعيش معها و لا يستطيع لذلك يريد على الأقل أن يموت بجوارها ، إنه لا يصدق حتى في هذه اللحظة أنها معه ، أنها تحاول أن تتقبل في موته ما لا تتقبل في حياته او هكذا يظن فقط فهو لا يعلم على الإطلاق و لم يخطر على باله قط أنها تحبه..أنها مازالت ترجو من حياته كثيرا، و أن فيما يقول عنه دمارا في داخله ترى هي فيه الحياة و الأمل و لكنه لم يسمح لنفسه بالتصديق أبدا
" انت لا تقلق على هذا الآن..لذلك أنا لست ذاهبة إلى أي مكان " قالت و هي تمسح على رأسه و تضمه بكل قوتها " لا نعلم ما الذي سيفعلونه.." قالها و بدأ وعيه يتلاشى مع ذلك الألم الذي يستنزفه " فرحات لا تغلق عينيك..لا تفعل" توسلت و هي تتمسك به أكثر و تضغط أكثر على جرحه
عقل فرحات كان مشوشا جدا و لكنه و لأول مرك أحب استسلام جسده و روحه في هذه اللحظة ، لم يكن قادرًا على المقاومة أكثر و لكنها كانت في خياله قبل أن تكون في واقعه..خوفه عليها الذي يكمن في عقله و تلك الذكريات التي تمر في عقلة واحدة تلو الأخرى تحفز ذلك الخوف ، تمنحه أملا في الحياة بعد أن كانت كل أسبابه قد تلاشت و لكن ذلك الألم مازال يجعله عاجزا
ينتفض جسده بين يديها في محاولات عقله الباطن المستمرة للمقاومة و هي تقرأ عليه قرآنا و تحاول تثبيته تدعو و تبكي و تتمنى أن تستح لها الفرصة أن تنقذه أو أن ينتهي ذلك العذاب و يحصل كل منهما على المغفرة و يذهبا سويا
###
توقفت السيارة أخيرا فتحفزت هي و مسحت دموعها في انتظار ما سيحدث و لكن المفاجاة كانت أنه لم يحدث شئ ، سمعت صوت السيارات الأخرى تنطلق و حينها علمت ما حدث هم قد تٌركوا في وسط اللامكان ، كان واضحا بالنسبة لها في هذه اللحظة ما يحدث..الأمر بالنسبة لذلك الزعيم لعبة سادية أكثر منه مصلحة ، هو يريدهم أحياء و لكنه يوضح لهم أن الأمر يعتمد على شجاعتهم و أنهم إن ماتوا فلن يختلف الأمر كثيرا ففي جميع الحالات لديه خطته .
وضعت ميرا جسد فرحات ليستلقي و خرجت لترى ماذا يوجد في الخارج ، كانت السيارة متوقفة أمام مستوصف صغير يبدو أنه أغلق من فترة ، كان يبدو أنه قديم أيضا من تلك الأشياء التي بقيت من التاريخ و كأنها من أيام الحرب و لكن تم الحفاظ عليها و تجديدها و أغلقت بعد أن أصبحت المنفعة منها قليلة جدا ، أخذت ميرا في الركض لتستكشف الداخل لتجد أن هناك ما يمكن استعماله لإنقاذ فرحات ، يبدو أنهم خططوا لكل شئ على عجلة بعد إصابة فرحات ، ذلك الزعيم يستمتع بتعذيبهم كثيرا ..
خرجت مسرعة إلى فرحات ، عانت كثيرا حتى استطاعت نقله إلى الداخل لدرجة أن أنفاسها ذهبت و أخذ العرق يتصبب منها كالأنهار
استجمعت قوتها بصعوبة مجددا و طهرت الأدوات ، كان مستلقٍ أمامها في هدوء و كانت أوصالها ترتجف ( لا أستطيع فعل ذلك لوحدي ؟ ماذا ان حدث شئ خاطئ ؟ إنه يقتل نفسه على أن يعيش عاجزا ! يا الله لا أستطيع..) حدثتها نفسها بذلك لم تكن تستطيع إنها خائفة كثيرا إنها رأت مئات الجروح و لكن قلبها ينتفض كلما رأت جرحه ، تشعر بأن سكينا تقطع قلبها تشعر بألم هذه الرصاصة في ظهرها هي ، انها لم تعلم إطلاقا أنها أحبته إلى هذا الحد..أنها أحبته كأم و كإنسانة و..زوجة!
صفعت نفسها على نفس الجهة التي تلقت فيها صفعة الرجل الذي اطلق على فرحات كانت ترجو أن الألم سيساعدها على أن تستفيق و قد فعل استجمعت كل شجاعتها لتبدأ في القيام بالعملية له و قد فعلت..
انتهت من العملية و لم تعد قادرة على الوقوف لذلك انهارت غير آبهه بأي شئ ، إنها لا تستطيع أن تبكي و لا أن تخرج الذي بداخلها إنها تشعر بأنها تختنق فقط و لكنها حتى لا يمكنها أن تتنفس و هو ما يزال بهذه الحالة لا يمكنها أن تتركه لاستنشاق بعض الهواء و لا لترتشف شربة ماء ، كان يبدو الأمر بالنسبة لها أن الوقت قد توقف لم تعد تعلم هل الشمس ما تزال ساطعة بالخارج أم لا ، لم تعلم كم استغرقت واقفة على قدميها و لكنها وقفت مجددا ، وقفت لتنقل له من دمائها ، كان كل منهما يحمل نفس فصيلة الدم ، كما كانا يحملان نفس قسوة الماضي و نفس الفقد و نفس الجروح
نقلت له من دمائها و جلست بجانبه على الأرض منهكة القوى لا تظن أنها ستصبح قادرة على مواصلة التنفس حتى يستيقظ هو ( كنت أظن أن عشقي لك فقط هو الذي سيحمل لونا غير الأسود ، هو الذي سيحمل لون الدم الذي يغطي يدي و يدك مع اختلاف الأسباب و لكن الحال أن قدرنا كتب على جبيننا بنفس اللون أيضا ، الحال أننا ارتطنا بالدماء أيضا يا فرحات ، انت الذي التقت عيني بعينه و قلبي بقلبه و دمي بدمه يا فرحات ، ربما لا يمكننا أن نتخطى ما نحن عليه ربما لا نستطيع تغيير الحقائق و لكن هذا العشق حقيقة أيضا و ربما يوما ما يوصل كلا منا إلى بر النجاة ) حدثته في نفسها و هي تنظر إليه و بآخر ما لديها من قوة لتضعها على يده في انتظار منه أن يستيقظ من جديد
###
نامت بجانبه قليلا أو بالأصح فقدت وعيها من كثرة التعب و لكن عقلها الباطن لم يتركها ، كل ذلك البكاء و الخوف الذي كتمته خرج على هيئة أسوأ الكوابيس الآي قد تراها في العالم ، تلك الأحداث التي مرت عليهم و كيف أنها أخذت تتكرر في ذهنها مرك تلو الأخرى و كيف أنها تشعر بأنها محبوسة و لا تستطيع الخروج.
استيقظت مع شهقة كبيرة و الدموع تحري من عينيها و لا تدري من أين جاءت ، تقيأت كثيرا رغم أن معدتها كانت فارغة ، كان الأمر صعبا جدا عليها ، كانت تفقد نفسها مرة أخرى مثل ما حدث بالماضي بعد أن فقدت كل شئ و لكن في ذلك الوقت كان نجاد و بهار هناك أما في هذه اللحظة هي لا تمتلك سوى فرحات الذي تفقده .
بدأت في الضغط على نفسها من جديد و سيطرت على كل ما كان يجول بداخلها ، هي لم ترد أن تفقد نفسها على الأقل قبل استيقاظ فرحات و التأكد من أنه بخير و لكنها بدأت تشك أنه في غيبوبة فتلك الحالة النفسية العامة له و خاصة تلك التي عايشها بعد اصابتها و كيف أنه كان مستعدا جدا للموت قد تساعد في ادخاله في غيبوبة بكل سهولة فكل شئ في النهاية كان يعتمد على إذن الله و رغبة فرحات في الاستيقاظ و النجاة.
قامت ميرا و شربت بعض المياة و توضأت و صلّت و أخذت تدعو كثيرا " يا الله إنك تعلم ضعف قوتي و ضعف نفسي ، تعلم أنني لا أريد أن أغضبك و لا أن أحمل آثما ألاقيك بها يوم الحساب يوم لا ينفع أي شخص الآخر و لكن يا الله إنك كتبت في قدري أن يكون هذا الرجل زوجي ، هذا الرجل قاتل و أنا أعلم ذلك و لكن يا الله أنت وحدك تعلم ألمه ، تعلم ما دفعه إلى هذا الطريق ، إنك قد وضعت هذا العشق في قلبي و أنا لا أستطيع انتزاعه ، يا الله إن قلبي يؤلمني لدرجة أنني أشعر أن هذه الرصاصة أصابت قلب و ليس ظهره ، و كأنها تعيق جسدي و ليس جسده ، إنني أشعر بالاحتراق كلما أعرف أنه سيقول كلمة " جرحي " و أنا لا أستطيع أن أسمعها منه ، لا أستطيع أن أجابه كبريائه ذاك عندما لا يخبرني بألمه عندما يستيقظ و يتحامل على نفسه ، عندما أتبعه في كل مكان حتى يسمح لي بمداواته و يظل لا يسمح ، عندما يرتجف جسده تحت يدي ألما و هو صامت ، يا الله أنت خلقت هذا القلب مرهفا إلى هذا الحد ، ربما أكون لبعض الناس لوحا من حليد و شخصا قاسيا ، و ربما أكون أمام آخرين شخصا يبالغ و يعطي الأشياء أكبر من حجمها ، و ربما و ربما و ربما إلى ما لا نهاية و لكن يا الله لا أستطيع أن أفعل ، و طأة هذا الألم لا تخف إطلاقا ، يا الله إنني أموت ، يا الله أنقذه و أنقذني أنت الوحيد القادر على ذلك .." أخرجها من تلك الحالة صوت حركة جسد فرحات الذي يبدو و كأنه دخل في صدمة ، ذهبت إليه ليتوقف قلبه في تلك اللحظة ، أنقذته بصعوبة و ذهب قلبها هي انهارت بحانبه في تلك اللحظة التي استعاد هو فيها نفسه " الحمد لله..الحمد لله" قالت و هي تحاول استنشاق الهواء بداخلها بصعوبة و بدأ هو في تحريك جسده
###
أصبح وجهه محمرا و عروقه بارزة قد تحامل على نفسه كثيرا في محاولة القيام  تلك ، كان يبدو أن كل شئ قد اندفع الى عقله في تلك اللحظة التي عاد فيها نبضه ، كل ذلك الخوف عليها و كل ذلك الألم و أيضا ذلك الذنب الذي يشعر به تجاهها " لا تفعل انظر انت نجوت بمعاناة كبيرة ، هذا الألم ليس سهلا ، نحن بأمان ولو مؤقتا..لذلك " لم يدعها تكمل كلامهما و دفع جسدها الذي كان يحاول منعه فترنحت هي قليلا و حاولت استعادة نفسها حيث أنها بالكاد متماسكة و تشعر بالدوار

حب ابيض اسود...(الحب القرمزي)حيث تعيش القصص. اكتشف الآن