أثبات الوجود !

181 8 3
                                    

عُدت و أنتصبت واقفاً في طابور المجندين  وما أن لبثت حتى صرخ بنا الضباط المسؤول عن تدريبنا .
- يجب على كلً منكم أن يجد لهُ خصماً و يقاتله من المجندين .
نظر الطلاب فيما بينهم متعجبين مستغربين ، فأذا هو يصرخ هيا تحركوا لا تحدقوا في مابينكم كالخراف البلهاء ، كانوا يمرون بحانبي ولا أحد منهم يختار النزال معي ، جميعهم تصرفوا بأنهم أقوى مني و أني مُجرد لقمة سائغه بأمكان الجميع سحقها ، فكلً منهم يُرد بأن يثبت قوته في هذا النزال الأول الذي يدور بيننا .
اللعنه لماذا كل من هنا يشفق و يرأف على حالي ؟
وسط كل المعمعه تقدم لي أحدهم وقد كان طويل القامة عريض المنكبين ضخم البنيه ، كان أضخم المُستجدين ، شاهدت الجميع ينظرون له بكل أزدرا و حقد ، لماذا أختار الخصم الاضعف هنا ، و نظرة الشفقة تعود مجدداً ، سيسقط أرضاً حتى قبل أن يلكمه بيده ، هم لا يعلمون لماذا تقدم لكنني كنت أعلم عن سبب فعلته ، كان يُرغب بأن أكون أنا الضحية التي سيرسل من خلالها للجميع ، بأني ساسحق الجميع هنا فلا مكان هنا لرحمه والشفقه ، تقدم وهو يبتسم ساخراً متهكماً ، رسم أبتسامة نصره و فوزه قبل أن يبدأ معركته .
وعندما أقترب تقدمت أليه و كنت كالسكير الثمل ، أسير لكنني بالكاد أقف ، وكنت لا أرى الإ بعين واحده فقد اصيبت ، وبالاخرى بالكاد أرى بها ، لم أقترب منه ألا وقد سدد تلك اللكمه اللي شعرت بأنه حطمت عظام جمجمتي و أخترقتها و وكدت أن أسمع صوت العظام وهي تتحطم ، عدت ألى الخلف من هول تلك الضربة ، أزداد النزيف ، نظر المُستجدين الى الجندي طالبين منه بأعينهم أيقاف هذه المعركة الغير منصفه والعادلة ، هو ايضاً شعر بذلك و نظر ألى الضابط من أجل أن يطلب منه الاذان لايقاف هذا النزال ، لكنه رفض فلا أحد يستثناء من التدريب الإ من يسقط صريعاً أو جباناً لا يستحق أن يتواجد في هذا المكان ، مسحت بكف يدي الدماء عن عيني و تقدمت ، أذاً أن هذا ما تُريدون و تحويل هذا المكان الى جحيم فلن أكون أحد الشيطان بل سأكون الألهً له ، وجه ألي ضربه أخر تفاديتها و تقدمت و لكمته بكل الأحقاد التي بداخلي ، أتبعتها بلكمه أخرى فسقط ، حملته بيدي قف و أنهض ولا تسقط فليس كل من يتألم ضعيف و ليس كل من أدعى القوة جبار عظيم ، أنهض و تلك الحقيقة و الهدف الذي أردت أن تسعى و تذهب أليه لا تسقط به من أول عثرة أو صفعه ، تحرك مجدداً من أجل يوجه ألي ضربه التي قد تكون قاضية ، لكنني لكمته قبل أن تصل يده ألي فسقط ممدداً و سقطت فوقه وبدأت بتوجيه اللكمات و أحدة تلو الأخر ، تناثرت الدماء بالمكان و حتى كدت بأن لا أرى وجهه ، فأذا بالجُندي يصرخ بنا يكفي ذلك ، لم أستطع السيطرة على كل هذا الحقد فلم أتوقف حتى كاد بأن يموت بين يدي ، وأذا بالجنود يلتقطوني بيدي و يبعدوني عنه ، نظرت حولي وأذا بالدهشه تملىء المكان ، لكن كل أرائهم و دهشتهم حولي لا يهم ، نظرت ألى أكثر الرجال أهميتاً ، فأذا هو ينظر ألي و قد توقف عن التدخين ، كانت نظرة تسائل و حيرة و الرغبة في معرفة من أكون ، لم أشعر الإ و قد سقطت مغشياً علي بين ايادي الجنود ، أستيقظت بعدها بيوماً كامل ، شاهدت السكن خالي من الجميع نهضت وبعد أن أغتسلت عن الدماء و أرتديت سترة التدريب ، وذهبت ألى المُستجدين و قد بدؤوا بالركض بالمضمار ، أنضميت أليهم وبدأت بالركض ، شعرت في تلك المرة بشروع مختلف ، الكل أصبح يعرفني و يتهامسون خلفي و بما فعلت ، نظرت ألى مكان القائد عقاب و وجدته على حالته لم يتحرك ولم يبحرح من مكانه ، بعد الركض أصبحنا نتدرب على النزالات والاشتباك في مابيننا ، هذه المرة لم يتقدموا ألي خوفاً لا شفقه على حالي كما كان فالمرة الماضية .
تحركت و أخترت أحد المُستجدين من الذين يشاركوني بالمسكن و أتنازلنا و أسقطته أرضاً بعد صراع لم يدم طويلاً ولم أتحامل عليه كثيراً ، وكان سبب أختياري له بأن أسيطر على من هم معي بنفس المسكن حتى يتسنى لي قيادتهم في الوقت الذي أحتاجهم لذلك .
أنتهى تدريب تلك الليلة وعدنا الى السكن وأعتذرت له على مافعلت ، لكنه أبتسم و أربت على أكتافي قائلاً .
- أتمنى أن تكون هذه المرة الاخيرة التي نلتقي بها متخاصمين حتى أن كان ذلك في ميدان التدريب .
مرت الاشهر بكل ماتحمله من شقاء و شعور بالغربة وكلً منا أصبح يسترجع ذكرياته الجميلة التي تركها خلفها من أجل السعي الى تحقيق ألاحلام التي أحضرته الى هذا الجحيم ، لا أنسى تلك الليلة التي كنا فيها مصطفين بالصف في ساعات الليل تحت وطأة البرد و قوة الريح التي تخشى بأنه سوف تقتلع الأشجار من حولنا ، لكننا كنا وأقفين بكل ثبات في تلك الموقف .
فصاح بنا أحد الضباط المشرفين على تدريبنا على الجميع نزع قمصانه التي تقييكم من شدة البرد ، أستمعنا الى الأمر وبطبع فعلناه بلا تررد ، فنزعنا قمصنا و أمرنا بأن نطأها بأقدامنا حتى لا تنجرف مع الرياح ، فعل الجميع ذلك وكان الريح شعرت بذلك فأزدادت بقوتها و شاركها البرد ذلك الأمر ، لكن ظل الجميع على حالهم ، قد وقفوا بمتثال و شموخ في وجه كل هذه الظروف ، فلم أسمع شكوى أو الالماً .
فلما شاهد ذلك الضابط المتعجرف كل هذه الصلابه و رباطة الجأش التي تدب بين الجنود ، أمر أحد الجنود وكان أكثر الجنود صداقة بي وكنت أثق به كثيراً كان يدعى أبراهيم والذي كان صاحب صوت شجي و عذب و حزين بالغناء للجميع ، فأمتثل أبراهيم  للأمر فأصبح يغني بصوته الذي يخرج من داخل فوهة من الأحزان و المشاعر في الأغتراب ، فأصبح يغني تلك الأغنية التي تتحدث بأنه أشتق الى وجه والدته كثيراً و ألى أبنته و زوجته التي رحلت ، فأصبح يغني والدموع تنسكب على خديه وقد أحمرت عينيه ، بدات مشاعر الحزن تسيطر على الجميع فأصبحت أسمعت البكاء على كل من حولي ، ومن لم يكن أسمع له صوت كنت أرى وجه وهو يعض شفتيه و الدموع تنسل على وجنتيه لكن بلا صوت للألم ، فأصبح الجميع هزمتهم أغنيه و بضع كلمات ، وكان البعض لم يتمالك تلك المشاعر فسقط في دوامة من البكاء حتى أصبحت السماء ممتلئة بستر و أقمصة الجنود الذي لم يستطيعون الوقف والتحمل بأن يكونون متزنين ثابتين بعد تلك الأغنية الحزينة !
كان ذلك الضابط المُتعجرف ينظر ألى الحزن الذي حل بالجنود الذين بالنهاية بعد كل هذه المعارك التي خاضوها لصمود سقطوا في لحظات من أغنية بكلمات حزينة ، لقد يظل يرمق وجوه وملامح الجنود واحداً تلو الأخر، وملامح السعادة كانت تشرق و ترتسم على وجهه كل ماشاهد أحدهم ساقطاً ومكباً على وجهه والدموع تتساقط من عينيه ، وظل يجول بعينيه على تلك المشاعر المحزنه للجميع والسعيدة بالنسبة له ، وأثناء تحريك عينيه وقعت عينيه علي فوضع عينيه صوب عيني فأذا بأنني أجد نفسي أنظر أليه بملامح شيطان خالي من الحزن والضعف وقد أشتط غضباً و حقداً ، فلم أكن أكترث لكل ما حولي ولم يكن يتملكني سوى شعور الضغينه و الحقد من ذلك الضابط الذي يرقص على بكاء الأخرين ، للمرة الأولى شعرت برغبة الخروج عن السلطة و القتال كثائر ولم أكن مكترث لما يحدث من عواقب ، لكنه ما أن شاهد تلك النظرات حتى نظر فيما حوله فلم يجد سوى نفسه محاط بكل هولاء الجنود في ظلام الليل ، فصرخ بنا وهو يتصنع القوة .
- هيا تحركوا وأذهبوا الى مسكانكم فقد أنتهى تدريب الليلة .
لقد كان ذلك هو الطابع السائد بتدريباتنا ، كُنت احصل على أعلى الدرجات و أعلاها ، ثم تدربنا على حمل الأسلحة و التصويب ، كل التدريبات التي كان قد قيل أن الجنرال يحققها فالسابق كُنت أحقق نتائج قريبه منها ، فبدأ أسمي وصيتي يصبح أكثر شهرة ، وفي بعض تدريبات المداهمه أنا من كُنت أعين قائداً للمُستجدين ، كانت في كل مرة أنجح في مداهمه أو أمر أعلم بأنني سوف أستحق مرتبة عالية في سُلم الجيش ، لم أتوقف عن الكفاح و العمل الدؤوب في سبيل ذلك ، كنت فالنهار أصارع السباق على المجد و النجاح مع من حولي ، وفي المساء أصارع أشواقي ألى عائلتي أمي و أبي و جميلتي و حينا القديم ، هل هم بخير ؟ وهل يفتقدونني كما أفعل انا كل ليلة ؟ كم رغبت في مرات عديدة الهرب من هذا كله و أحتضن كل من أشتقت أليهم ، لكن الحياة ليست بهذه السهولة .
كان القائد عقاب يجعل من أولئك الضباط من الطبقة البيروقراطيه الغنيه مشرفين على تدريبنا ، فكانوا قساة خاليه قلوبهم من مشاعر العطف و الرحمه ، كنت في الأوقات التي أكون منعزلاً لوحدي أراقب كيف يتم عقابهم لأحد الجنود فأجد المتعه في ملامح و جوههم ، كل تلك المشاهد كان قلبي قادر على تحويلها لمشاعر هائله من الحقد على كل من هم في هذا العالم .
وفي أحد الأيام النادرة التي ينزل بها القائد عقاب من الأعلى ويسير بين الجنود ، كانوا قد أصطفوا من حوله وهم يلقون التحيه بالرغم من أنه لم يطلب ذلك ولم يكن يكترث لها ، كان الصمت و الرهبة يخيم على المكان فبالكاد لا تسمع سوى قرع خطواته وهو يسير ، كنت أنظر أليه من بعيد فالمكان الذي نتدرب به على أستخدم الأسلحة ، وقد كان من يشرف على تدريب الرماية ضابط كبير فالسن بل ربما الأكبر سناً هنا ، وحينما شاهدني قد تركت التدريب للنظر الى الوقار والهيبه التي يمتلكه القائد عقاب وكيف كان يحول نظرة الجنود بمروره من قوة الى خوف و رهبه ، تقدم نحوي ووقف بجانبي وهو ينظر ألى عقاب وتحدث قائلاً وهو يسترجع ذكريات الماضي الدفين .
- أن الجميع هنا مأسورين و يحلمون بأن يصبحون كذلك الشيطان بالرغم أنهم يتحدثون عن كرههم لكل الشر الذي يرتكبه ، لكن هذا محض هراء فالجميع هنا يراودهم ذلك الحلم بأن يكونون مثل القائد عقاب ، لكن لا أحد منهم أقترب من الوصول الى تلك المرتبة فلقد ولد ليكن قائداً ، فعندما كنا نحارب و نقتل لأن الواجب يملي علينا بذلك هو كان يفعلها للمتعه ، أكاد بأن أجزم بأنه لا يوجد مايمتعها في كل ملهيات هذه الحياة مثل أراقت الدماء و القتل ، لقد كنا عندما نعود من المعارك يمتلكنا البكاء و الحزن لما فعلناه وكنا نرمي الستر التي لطختها دماء الاعداء حتى لا تعود لنا تلك المشاهد ، كان هو يعود بجسد قد تلطخ بالدماء بالكامل كان أشبه بموميا تتحرك ، لم يكن يبتسم لكنني كنت أعلم بأنهُ  بغاية السعادة لمشاهدة دماء اعداءه على جسده كانت تمثل له الفخر أكثر من تلك الأوسمة التي يمتلكها .
لقد كان يقتحم القرى التي يسكنها المتمردين ويقضي على نصف المتمردين ويحرق نصف منازل القرية ، كنت أظن بأنه يفعلها لأنه أكتفى من القتل وبأن الرسالة قد وصلت ولا حاجة لرتكاب مجزرة هنا ، لكنني كنت غارق في الأوهام ، لقد كان يفعل ذلك ليشاهد المآساة في النصف الأخر ، كنا عندما نسير مغادرين تلك القرى ، ويشاهدون كل تلك الدماء التي تغطي جسده ويقنون بأنه قد أرتكب مجزرة في النصف الأخر ، ولا أحد منهم فعل أي أمر حتى الصرخ في وجهه ، بل بأن الأم قد تشاهده وهو عائد وغارق في دماء أبنها لكنها لا تستطيع أن تسأله ماذا تمتم لك أبني قبل أن يرحل تحت جحيمك ؟
لقد أخبرتك بأنه كان يمتلك عيني شيطان فلا أحد قادر على أيقافه فيما يفعل ، لقد يعلم كل مايحدث فهو يعود لتلك للقرية بعد عام بعد أن تفرق المتمردين و أصبحوا بلا ماوى وأصبح كلً منهم يحمل الأخر سبب ماحدث من تلك الكارثة ، ثم تكثر السرقة والنهب و الجرائم بين أولئك السكان فيكون له سبب للعودة مرة أخرى و القضاء على النصف الأخر ، لقد كان يعلم بأن المشاعر التي بين الضحايا سوف تتبدد و ترحل مع الوقت ، وبأنهم لن يصبروا بأن يشاركهم أخر مسكنهم لأنه أحترق أو طعامهم لأنه أصبح عاجز عن العمل ، فالطعام والوفير و الراحة قد أختفت بعد ان شاركهم اولئك الضحايا اياهم وها هم يشتاقون اليها وسيحاولون اعادتها ولو كلفهم ذلك لطرد هولاء الضحايا ولكن أولئك الضحايا سيكونون بلا ماوى و طعام ، فتنشاء الصراعات بين الطرفين فيصب الضحايا احقادهم على تلك الطائفة التي مدت يدها ثم تخلت عنهم فتحدث الحروب بينهم فيكثر اللصوص و المتمردين ، حتى يأتي ذلك الشيطان و يقضي على الجميع بلا رحمة او مشاعر من العاطفة التي تميز بها البشر عن بقية الكائنات ، أنه اشبه بمن يشعل عود ثقاب في فتيل قنبلة ثم يبتعد عنها وهو يعلم بأنها سوف تدمر كل ماحولها ، كان يفعل ذلك الامر مع كل القرى التي يبطشها و يحتلها ، كان يستمتع بذلك وكيف يجعل البشر يتخلون عن مشاعرهم ويشاركونه مشاعر الحقد و الشر ،  لقد كان يعلم كيف يفكر البشر في جميع مراحل الحياة عندما يكونون كالملائكة في الرخاء و شياطين ان حل الجحيم !

الجندي الذي وأجه الشيطـان !حيث تعيش القصص. اكتشف الآن