بعد أن طلبت من فيصل أن ينتظرني لحين عودتي ، غادرت راكضاً هابطاً سفح الجبل ، تلك الصخور المتراكمه أمامي لم تشكل لي أي عبء ، فكل ماكنت أشعر به هو الرغبة بتجاوز كل شيء من أجل محادثتها لوحدنا و سوياً كما كنا في الأيام الخوالي ، قررت بأن تكون هذه الرحلة الأخيرة من أجل الحب لا القتل ، فأني متلهفاً على لقائها ، فقد علمت بأنها ستكون لوحدها و بستطاعتي محادثتها و أن أشكو أليها منها من قسوتها و جفائها وبعدها الذي كاد أن يقتلني .
كنت أسير و أركض و ألهث كا كلاب الصيد ، الشوق و رغبة اللقاء كل ما كان يدفعني لها ، وصلت بعد لحظات ، لم أقرع الباب فقد وقفت تحت شرفتها ، حبيبتي أن الضيف الذي قدم من القتل الى الحب ها قد قدم أليكِ .
حاولت جاهداً أن أصعد الى شرفتها كما كنت أفعلها فالسابق ، تمكنت من ذلك فأصبحت أصعد شيئاً فشيئاً حتى أقتربت من طرق نافذتها ، وحينما رغبت بطرقها كنتُ متمسك و متشبث بيدي اليسرى والتي لا أملك سواها لطرقها ، وحينما حركتها وممدتها تعثرت وتحركت فسقطت من ذلك الأرتفاع الشاهق ، وقد دوا صدى صوت سقوطي ، وتلطخت بالوحل و التراب و أشتد الالم ونزفت الدماء ، فأذا بصوت نافذتها قد فتح و ضوء غرفتها قد أفقدتي النظر ، فأذا هي تنظر ألي بذلك المشهد المثير للشفقة و الذي أخبرها بأنها على صواب حينما قررت هجري و تركي أغوص في وحل الجحيم ، كان بأمكاني طرق بابها و أخبارها كم أشتقت أليها ، ولكنني أردت أبرهن لها بأنني لازلت قوياً كما كنت فالماضي ، لقد حاولت أن أكون مثير وها أنا قد أصبحت كذلك ممثير للشفقة لا أكثر .
لم أنتظرها تتحدث أو حتى أنني لم أنظر صوب عيناها ، نهضت و أخفيت موضع يدي التي فقدت ونفضت الوحل و التراب عن ردائي ، صعدت من جديد في محاولة بائسه وعاجزة أخيره لأخبرها و أبرهن لها بأنني لأزلت أمتلك القوة و المقدرة ، صعدت أمامها وفي مرأى منها ، لقد كنت أتوسل لجسدي بأن لا يخذلني أمامها .
- أرجوك لا تسقط فتسقط كل شيء ، كرامتي حياتي أحلامي كل شيء أمتلكته سوف يسقط أن سقطت .
وبعد أن جهد بذلته أقصى من طاقتي تمنكت من الوصل و ممدت يدي أليها ، لم تلتقطها أو تمسك بها بل طلت تنظر ألي ، وكيف تبدلت أحوالي وهي التي أعتادت أن تمسك يميني الأن ترأ أن التي قد مدت يساري ، في ذلك الوقت تحدثت و أنا أنظر صوب نظراتها الحائرة المرتبكة .
- أهً يا حبيبتي كم أشتقت أليكِ ، وكم أتعبتني أيامي بدونك ، وكم سهرت الليالي بكاءاً على بعدك ، أتعلمين يا حبيبتي بأنني لا أقوى على ذلك ، فلما كل هذا الجفاء ؟
أتعلمين ياحبيبتي و قدري بأنني قد قدمت أليك من القتل الى احضان المُحب .
فبدأت بسرد الرحلة التي أفتعلتها و خططت لها من أجل القتل ، والتي سيكون أخيها شهيداً على براءتي من دماء يوسف ، لم أخفي تلك القصة ، فلا يجوز في شريعة الحب الكذب على من تحب .
وبعد سردي لقصة الرحلة وكيف كان حالي بدونها في تلك الليالي التي أحطت بي العزلة و سحقتني الوحدة وأصابني الضعف لبعدها ، وضعت يديها الجميلتين على وجهي وأخبرتني بصوتها الشجي .
- ياحبيبي لما كل هذه الأفكار ونحنُ الذي بيننا هو أجمل ماحدث فالأقدار ، أرجوك لاتكن مجرماً فأنت الطهر و الملاك الذي أحببته ، فلا يشغل بالكِ سواي ، ولا تحزنني بقولك ورغبتك بفعلك ذلك .
ثم أنني نظرت ألى وجهها الجميل وثغرها الباسم وهي تنحدث بصوتها العذب .
- أنني لم أقتله لأنني كنت أعلم بأنك سوف تحبيني في الزحام وليس لأننا ألتقينا صغاراً و تجمعنا ذكريات الطفولة ، وحينما أعود من الرحلة الأخيرة سوف أتقدم أليك يا حبيبتي ، فهل أنتِ تقبلين ؟
وما أن سمعت بحديثي حتى أبتسمت ثم ضحكت خجلاً وغطت ثغرها بيديها و أومأت برأسها .
- أنني موافقه ، يا حبيبي أنني موافقه ، فأنني أحبك كما تحبني ، فقط عد ألي وسأعدك بأننا سنبقى معاً و سيظل حبنا سرمدياً لا نهاية له .
وبعدت أن أستمعت الى جابتها و موافقتها غمرتني السعادة و ودعتها ونزلت من أعلى الشرفه و الارض لاتكاد تحملني من فرط سعادتي ، فقد تحقق ذلك الحلم الذي أفنيت عمري وخسرت الكثير من أجله ، لقد كانت ليلة غريبة في نهارها أخطط و أفكر بالقتل وها أنا الأن الرجل الذي عادت له حبيبته ، كنت مستعداً من أجلها أن أقتل و أدمر كل مايمنعني عنها ويقف في طريقي أليها ، ولكن من الجيد بأنها عادت هي بنفسها ودون أن أسفك دماءاً .
حارب من أجل من تحب ولا ترضى بأنصاف الفرص ، فليس فالحب أجمل من النصر ولا أقبح من الخسارة و الأستسلام ، مُت ولا تعش ذلك الشعور ، وقاتل فهناك من يستحق أن تخوض حرباً من اجله .
غادرت صوب الجبال وكنت أشعر بأن السعادة قد أستبادلت صخور الجبال بالورود ، صعدت نحوهم و قد ظهرت البسمه على محياي بعد ليالي عجاف ، جلست بجانبها وقد أبدا لي بأن فيصل لا يعلم بماحدث ، ولقد تعجبأ من سر تلك السعادة التي تغمرني ، لكنهما لم يسألا عن هذا الأمر للأنني كنت أنشد و أغني بصوتي الصاخب ، لم أطق أن يمر الوقت بعيداً عنها ، أخبرتهما برغبتي العودة الى القرية ، تحركنا وبدأنا بالنزول وقد تقدمتهما بالسير ، وقد كان الفجر قريباً من البزوغ .
أنكم لمغفلين و عاطفيين و أشخاص حالمين ، مجرد مجموعة من الضعفاء الذين بعتقدهم أن السماء تمطر بالفرص ، و أن الحظ سيظل ينتظرك حتى تغتنم أقدارك أن ظننتم بأن الأمور و الأقدار قد أبتسمت أخيراً و أن الجحيم قد فنا و أنتهى ، فأن الرياح لا تهب سوى مرة فحرك سفينتك قبل أن تغرق ، وهذا يالاء بؤسي الشيء الذي لم أفعله .
وما أن أقتربنا من أسفل الجبل ، حتى حدث مالم يكن فالحسبان ، فقد وجدتها تنتظرني و تنظر ألي وهي تحت سفح الجبل بملامح جامده و أبتسامة غائبة و عينين شاخصتين نحوي ، لقد أربكني رؤيتها هنا و أصابني العجب و الدهشه حلت بي ، فلما أشعر في هذه اللحظات من الضياع الا وقد وضعت فوهة السلاح على مؤخرة رأسي من الخلف .
- توقف و أستسلام يا مغفل ألى أين ستذهب بعد كل الذي فعلت ؟
لحظات السعادة المزيفة تختفي ، الصمت يحضر ، و التفكير يتشتت ، احاول أن فهم و أدرك ما يحدث حولي ولكن بلا نتيجة ، فكل شيء كان يمر سريعاً .
وماهي سوى ثواني معدودة وقد أحط بي العساكر من كل حدب و صوب ، وجميع الأسلحة قد صوبت نحوي ، أنا الرجل المطلوب بالمجرم الملعون الذي لم يفعل أي جريمة سوا بأنه أظهر الرحمة لصديقه و الحب لحبيبته ، والأن سلب كل شيء حتى الحرية ، لازلت واقفاً بكل صمود كجلمود صخراً لا يتزحزح و الجنود من خلفي والذي كانوا أصدقائي في المعسكر فيما مضى ، فقد جمعنا ميدان التدريب و الأن انا مجرمهم المنشود و المطلوب الذي بسجنه تتحقق العدالة و يمحى الظلم .
لم أسقط بالرغم من أنهمارهم بضربي بالهروات و قد سألت الدماء والشتائم تغرقني بضجيجها .
- ها قد وقعت أيها الملعون الجبان بعد أن هربت من ميادين الشرف وتركت الجنود يهلكون لوحدهم ، واليوم أنت تسقط في أيادي العدالة .
كان ضربهم يزداد حتى أنني كنتُ اسمع صوت تحطم العظام ، وقد كانت حبيبتي هناك قد وقفت أمامي وهي تنظر ألى الجنود وهم يبرحوني ضرباً وهم الذين كنت أسعى لتخليصهم من الطغيان الأن انا مجرد ضحية بينهم ، لقد كانت هي من أخبرتهم بأمر الجريمه التي أفصحت بها اليها والتي كنت سأفعلها من أجلها ، بل أنها أخبرتهم بأنني تهجمت عليها في عقر دارها ، وقد مزقت رداءها و من أجل أن تكتمل تلك القصة المزيفه التي سوف تزج بي في ظلمات السجن و ربما ساحات الأعدام .
وعدم تقدمت و أحتضنت يوسف أمامي ، هنا سقطت دون أن أقاوم السقوط ، لقد أسقطني عذاب الحب لا ألم السوط و العصا ، وعندما تدحرج رأسي بالتراب بقيت أنظر أليها ، لم أغضب منها بل وجدتني أحدق بها بكل حبً ولهفة .
- اههً يا حبيبتي لما كتبتِ نهاية موتي بهذه الطريقة المذلة ، لما لم تمنحني شرف الموت من أجلك بكرامتي و كبريائي .
وضعت احد الجنود قدمه على رأسي وهو يردد الشتائم وقد غاص وجهي في التراب و أختلطت بالدماء ، صوت صدى ضحكات يوسف كانت تخترق ضجيج تلك الشتائم .
ها أنا الان مجرم بلا جريمة او دماء ، وبلا ضحايا او شهود على جريمتي ، ألتهمه كانت محاولة قتلاً و أغتصاب ، سحقاً حتى شرف المحاولة لم أكن أستحقه .
تم أخذي وقد كبلت أقدامي و أصبح يسيرون بي حتى وصلنا القرية وهم يصرخون
- لقد أمسكنا بالمجرم الملعون ، ذلك الوغد أرد أن يقتل و يسفك الدماء ولم يكترث للعدل و الاحكام .
أجتمع الجميع من أهل القرية وهم يشاهدوني في تلك المساءة ، فعلت الصيحات و المطالبات بقتلي و شنقي أمام الملأ ، بل البعض منهم أصبح يحملني وهو يشتم و يصرخ كل جرائم التي حدثت في القرية .
لقد كانت والدتي كانت من بين ذلك الحشد وقد وقفت وهي تحتضني أخي الصغير وتغطي عينيه عن رؤيتي بذلك المنظر المثير للشفقة وهي تذرف دموع الحسرة و الحزن لما حل بي ، لقد كنتُ هشاً لم أستطع النظر في عينيها او أعين الأخرين ، أنهم يظنون أنني في تلك اللحظة أشكل تهديداً او خطراً لكنني كنت كشيطاناً مهرج او أسداً بلا مخالب او أنياب لقد كنت مجرم لكن بلا جريمة .

أنت تقرأ
الجندي الذي وأجه الشيطـان !
Adventureجندي ينشى في حي فقير تحت وطاءة طبقة من الأغنياء ، يُستدعى للحرب و النضال من أجل الوطن و أثبات مقدرته على قيادة الجيش للأنتصار ، ليكتشف أن الجيش في خدمة الأغنياء فحسب ، ويحاول جاهداً أحداث ثورة وأن يقود الجيش بنفسه ، فيظل حائراً بين الحرب أو محبوته ا...