الحلقة 21

1.1K 28 2
                                    

يارين بأعلى صوتِها و قد جُنَّ جُنونها : 
- يا كُلَّ منْ بالقصر ، يا عائلتي العزيزة 
الحاضر يُعلم الغائب و الغافل يستفيق الآن 
ريان شاد أغلو ليست ابنتنا و لا من عائلتنا ، 
لُطِّخَ لقبُنا بسببها و الآن أيضا تُريد الهرب مع ميران و تلطيخهُ من جديد .

ريان سقطتْ على الأرض مغشِيًا على قلبِها ، غائِبا عقلُها ،
جثتْ و ساقاها خانتْهُما الخُطوات ، رفعتْ رأسها لترى الكُّلَ واقفا حولها مصدوما من هولِ ما سمع ؛
زهرة ، هزار ، جول ، مليكة ، نيغار ، حنيفة ، هاندان ، جيهان و جدُّها نصوح 
اقتربت منها زهرة بعيونٍ دامعة و يديْنِ ترتجفان ، فأشارت لها ريان بيدها أن تتوقف مكانها 
ريان : أمي ، هل صحيحٌ ما تقولُه تلك ؟ 
زهرة : صغيرتي ..
ريان و هي تصرخُ باكية : أمي أجيبي 
من أنا ؟ ابنة من ؟ 
زهرة : انتِ ابنتُنا صغيرتي ، انتِ ابنتي و ابنة هزار ..
يارين مُقاطعةً ايّاها : ابنتُها أجل ، لكنّك لستِ ابنة عمي أيتها اللقيطة 
نصوح بنبرة غاضبة : اصمتي يارين ، اصمتي 
يارين : لن أصمت ، لن أصمت بعد الآن 
ماذا تفعل بيننا و هي ليست مِنّا ، لطختْ شرف عائلتنا و هي لا تحملُ دمائنا ، 
فقط اسمًا أخذَتْهُ من بابِ شفقةِ عمي عليها .

بكلماتِها القاسية تلك نخرت جسد ريان و ثقبت قلبها ، 
فأضْحَتْ كَنايٍ ، يتخلّلُهُ الوجع و يزفُر بالأنين 
تَناثرَتْ كَمِنْفَضَةٍ ، فاضتْ بالألم ، عاجزةٌ و الصمتُ سبيلُها 
و صريرُ أنفاسِها المُتْعب يُرافِقُ ذاك السَيْلَ مِنَ الدُموع ،

الكُلُّ مُتَسَمِرٌ مكانَهُ ، فاتِحًا فمَهُ مِنَ الصدمة ،
هاندان و جيهان يتهامسان :
- ماذا تقول ابنتُكِ تلك ؟ 
هاندان : لا أعلم شيئا و انا ايضا فوجِئْتُ و عرفتُ الآن .
مليكة في نفسها : 
- أيتُها المسكينة كأنّ قلبكِ تنقُصُهُ المصائب 
حنيفة : أخٍ من تلك الأفعى الصفراء ، أسوءُ طريقةٍ لتَكشِف بِها ذاك السِّر .
جول و قد انحنتْ و عانقت ريان : 
- أُختي انتِ أختي و أنا أحِبُّكِ 
ثم نهضتْ و صارتْ تضرب يارين بيدِها الصغيرة و ترفُسها برجلها : 
- ابتعدي ، ابتعدي أيتُّها الشريرة

هزار و قد اكتحلتْ السماءُ بِحُزنِهِ و ارتعشتْ كلُّ جُدران القصر حين صرخ :
- آآآآآآآآه ، آه ، أصمتوا جميعا 
و نزل بركبتيْهِ على الأرض و هو يبكي :
ريان ابنتي ، ريااااااااااان ابنتي أنا 
ثم إلتفت إليها بعيْنيِنِ تحترقان رغم سُيولِ الدمع لا تنطفئان : 
- يا مُهجة الروح و نبضَ القلب ، 
كيف لا أكون أبًا !؟ 
كيف أحيا دون سماع كلمة بابا منكِ ؟ 
هتيْنِ العيْنيْنِ لم يُبْصِرا الفرح إلاَّ حين وُلدتِ ، هتيْنِ اليديْنِ أولُ من أمسكاكِ و انتِ قطعة لحمٍ صغيرة ، 
على هذا الصدرِ حَبَوْتِ ، على هذا الحِجْرِ جلستِ ، على هذا الكتفِ ركبتِ ، بِحُظنِي هذا غفوتِ 
فكيف لا أكون أبًا !؟
قالها و هو يبكي و يُشير الى كل قطعةٍ في جسدّهِ شهدتْ أبُّوتَهُ مع ريان . 
- أول مرّةٍ نطقتِ فيها قلتِ أبي و لم تقولي أمي 
فكيف لا أكون أبّا !؟
ربَّيْتُ و سهرتُ و احترقتْ روحي حين تألمتِ 
فكيف لا أكون أبًا ؟!
ثم وقف و إلتف الى كل واحدٍ من الحُضور : 
- جيهان ريان ابنتي أسمعت ، هاندان ريان ابنتي أسمعتِ ، أبي ريان ابنتي أفهمت ، 
حنيفة ، مليكة ، نيغار ريان ابنتي ، جول ريان اختك ريان ابنتي 
يارين يا يارين يا أنذل شخصٍ في الوجود لن تُفرقي بين الأب و ابنتهِ بكلمة حقيرة منك ، 
ريان ابنتي أنا ، ابنتي أنا .

ازاد و إليف جالسان في مطعمٍ ، مقعدان وطاولة ، مُتقابِلان تتوسطَهُما مزهرية ، 
وعوالمٌ من الأفكار و الحيرة التي تقذف بِهما 
وضعٌ غريبٌ وُضِعا فيه و زواجٌ مُفاجىء و نارُ حقدٍ و كره مُتوهجة بين العائِلتين ، 
سكت أزاد طويلا ثم قال لها : 
- هل انتِ نادمة إليف ؟ 
إليف : على ماذا أندم ! 
أزاد : على زواجِكِ بي و تركِكِ لبيْتِكِ ؟
إليف : لستُ نادمة إلا على ما مضى من عُمري بجانب تلك العائلة ، و أنتَ ؟ 
أزاد : لا اعلم فِعلاً ، رغم أنَّ زواجنا هذا فقط لحمايتكِ و حمايتِي ، 
أحِّسُ أنَّنِي ظلمتُكِ معي قلبي مُعلقٌ بريان منذ صغري رغم سماعي بزواجها من ذاك الحقير ، 
لا أستطيع نسيانها او التوقف عن حُبِّها .
إليف و قد أنزلت رأسها و سكتت لِبُرهة ثم جاوبتهُ : 
- رُبَّما لأنكما عشتُما في نفس المكان و كبرتما تعودت عليها 
و تملَّكَكَ هذا الاحساس على أنّهُ عشق ، 
ربما قلبُكَ الجميل يستحق أنْ ينبِضَ لقلبٍ آخر ينبضُ لِأجلهِ ،
أوّلُ خُطوةٍ للنسيان ، أنْ تُقرِرَ ذلك ، ان تقطع رجاءكَ منها 
و تُصدِّقَ أنَّها لن تكون لكَ ، كي لا تُعذّبَ نَفْسَكَ أكثر .
أزاد : رُبما ، رُبما حان أوانُ أنْ يُخالِفَ قلبي عَزْفَهُ الأليم القديم . 
المهم ماذا تأكُلين يا سيدة شاد أوغلو ؟ 
إليف و هي تضحك : لا فرق ، أُطلُب على ذوقك .

فتحتْ عزيزة بابَ بيتٍ قديم و كانت شهريار في استقبالِها :
- اهلا و سهلا سيدتي ، كلُّ شيءٍ تحت السيطرة لا تقلقي 
عزيزة : أين هي الآن ؟ 
شهريار : أُغْلِقُ عليها في الغرفة كما أمرتني سيدتي 
أُدخِلُ إليها الطعام و الماء بإنتظام و أفتحُ الباب لها فقط حين تُريد ان تقضي حاجة 
عزيزة بِنبرةٍ حادة : 
- اختصري الكلام و ابتعدي من أمامي . 
ثم دخلتْ الى تلك الغرفة ، كانت سُلطان في حالة يُرثى لها ، 
جاثية على الأرض و الدموع حفرت وجهها ، رفعت رأسها بِبُطءٍ بإتجاه الباب :
- ههههه عزيزة هانم ، اهلا اهلا 
جئتِ لقتلي أخيرا ؟ 

عزيزة : غباؤكِ من أوصلَكِ إلى هُنا 
سُلطان : بل حان دوري الآن ، نفس المشهد قبل سبعةٍ و عشرين سنة ، ديليشاه 
اتذكُرين ديليشاه ؟ ثم ضحكت 
ربُّما أنا أفضل منها ، ببيتِ و ليس زريبة 
لطالما كرهتني أنا و ديليشاه ، و كانت جيداء فقط كنتّكِ المحبوبة المُفضلّة ،
لكن لِسُخرية القدر ماتت هي و ابنُكِ في يومٍ واحد .
عزيزة : جِئْتُكِ بخلاصِكِ فأختَارِي الآن ...
قامت ريان و التفت إلى جدّها : 
كُنتَ تعلم ؟ أكيد كُنتَ تعلم 
الآن فقط أدركتُ سبب نظارتِك تِلكَ ، إحتقاركَ ، كُرهَكَ و ظُلمكَ لي ، 
- أمّي آهٍ يا أمّي لو كُنت أعلم ، كُنتُ اختصرتُ على نفسي سنين بُكاء و قهر و غصّةِ روح 
ما كُنتُ ابدا قلتُ لماذا جدي لا يُحبُّني 
ما كُنتُ يومًا كُسِرتُ بتلك النظرات و عِبارات البُغظِ و اللوم مِنْهِ 
ما كانت رُوحي عذّبتني و سألتني لِمَا انتِ لستِ مثل يارين و ازاد و جول 
لِمَا ينْبُذُكِ و يوبِخُكِ على كل شيءٍ
ما كانوا أخذوا انتقامهم من شاد أغلو في فتاةٍ بريئة مرتان ،
من دمّهم و أفعالهم .
و بخُطواتٍ مُتثاقلة اتجهتْ نحو الباب تحمِلُ ما تبقى من قطع قلبِها المكسورة 
و المنثورة في ذاك القصر و غادرت دون ان تلتفتَ وراءها .
زهرة بأعلى صوتها : 
- هزااااااااار ، هزار...

بقلم الكاتبة : كريمة عوجيف ( فيس عائشة م ر )

زهرة الثالوث - Hercai حيث تعيش القصص. اكتشف الآن