الفصل الثاني

8.9K 397 5
                                    

الفصل الثاني

مرّ الوقت بطيئاً وهي مسجونة في هذا الجناح الكبير دون أن تملك القدرة حتى على التجول به بأريحية مصرّاً كايدين على تكبيل ذراعيها وقدميها بتلك السلاسل الحديدية المزعجة والثقيلة، لا ترى أحد إلاّ عند وقت تقديم الطعام حيث تقوم خادمة بالبقاء بجوارها لفترة وجيزة تحاول خلالها سيلين حثّها على الكلام بأي طريقة دون جدوى.
مرّت الايام بطيئة ومملّة تشحنها بالغضب والقهر، تختنق بعجزها وجهلها لمصيرها، توشك العزلة التي وضعها كايدين فيها على اثارة جنونها.

عاد بعد غياب طويل عن القصر، دخل جناحه بثياب المعركة؛ سروال جلد أسود يلبس جسده بإتقان وسترة من الجلد الأسود مزوّدة بجعباتٍ تحتوي أسلحة تترواح ما بين الخناجر والسيوف المتعددة الاحجام والاشكال.

تفقد ارجاء الجناح الهادئ على غير عادته يفتش عنها، يرصد رائحتها في كل زاوية منه كأنها تقطنه منذ زمن تاركةً اثرها على كل الأسطح، تتبع رائحتها إلى غرفة الملابس يتساءل عن ما تفعله هناك ؟؟

وقف عند الباب يسدَّ منفذه بجسده مثيراً ظهوره الغير معلن ذعرها، فشهقت تنتفض من مكانها تقع على مؤخرتها فوق كومة الثياب التي كان تعبث فيها،
« الرحمة...!» همست بنبرة متحشرجة تردف وهي تبسط كفها على صدرها موقع قلبها: «لقد أخفتني»
تذمرت ببراءة وكأنه لم يمسكها للتو بالجرم المشهود

«وماذا تفعلين هنا؟»
سألها يجول بنظره حول الفوضى التي أحدثتها بالغرفة المقلوبةً محتوياتها رأساً على عقب يردف «ما الذي تحاولين إيجاده؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟»
تلفّتت حولها هي الأخرى تدرك حجم الفوضى العارمة التي أحدثتها لا تجد لنفسها مبرراً، «مممم،» حكّت رأسها تبرطم « لقد.... لقد شعرت بالملل....أتيت استكشف المكان »
رمقته بطرف عينها تلاحظه يراقبها منتظراً المزيد فتابعت تدعي المسكنة علّه يشفق عليها ولا يعاقبها:
«أتيت زحفاً، فأنا أشعر بآلام مبرحة في كل أنحاء جسدي....و....وأنا أدخل الحمام زحفاً ، تصوّر»
هدر بها بضيق:
«هلاّ توقفت عن البلبلة وقلت جملة مفيدة»
«انظر إلى شعري ، إنه يشبه شعر الغنمة الشاردة فأنا لم أمشطه منذ فترة لا أستطيع حسبانها لأني لا أعرف نهاري من ليلي بهذا المكان، وانظر إلى هذا الثوب الأسود الذي أرتديه يشبه قميصاً من قمصانك»
أجابها مؤكدًا كلامها: «إنه قميص من قمصاني»
فصاحت به بقهر يتآكلها:
«لم لا تجاريني في الكلام؟ لم لا تفهمني عندما أتحدث إليك بلغة المجاز؟ أريد أن أتحرّك ، أحرك ذراعاي وقدماي وأتخلص من صوف الغنمة الذي أحمله فوق رأسي»

تتبّعَ حركة ذراعيها تمسك بخصال شعرها المنكوب الذي لم تمسّه فرشاة شعر منذ أسابيع عارضاً عليها باقتضاب: «بإمكاني أن أقصه لك إذا أردتِ»
«لاااااااااا......لا أريدك أن تقصه» شهقت تحاول جاهدة عدم الانهيار والاجهاش أمامه بالبكاء كالاطفال تصيح به بقنوت «لقد مللت منك ومن هذه الغرفة»
طمرت وجهها بكفّيها تفقد أخيراً رباط جأشها تبكي وتشهق بمرارة، لقد ملّت من وضعها المبهم، ملّت من التساؤل عن القادم دون أن تملك أدنى فكرة عنه.. ماذا يريد منها؟ ماذا فعلت لتستحق ما يحصل معها؟
لقد عاشت حياتها كلّها تحتمي بظل الحائط ، لا تفتعل المشاكل ومتفوقة في دراستها إلى أن توفيت والدتها وتركتها وحيدة مما أثّر على نفسيّتها فنصحتها طبيبتها بالسفر للاستجمام ويا ليتها ما فعلت.

دماء الشمس، الجزء الأول من سلسلة دماء الشمس حيث تعيش القصص. اكتشف الآن