الفصل التاسع عشرج1

388 15 4
                                    

- لقد أسعدتني قاهرة أنا ونزار عندما قبلت أن تتجوزني!!!

قالها معز ثم رفع يدها اليمنى التي تحمل خاتم الخطبة مقربا إياها من فمه طابعا قبلة صغيرة على الخاتم وهو ينظر لعينيها متحديا أن تُكَذِب ما قاله مرتسما على شفتيه إبتسامة قاسية عندما لاحظ الرجفة التي مرت بجسدها والخوف الذي التمع للحظة واحدة بعينيها خائنا تمالكها لأعصابها, الشحوب الذي زحف على وجهها قبل التورد السريع المرافق للمعة الغضب بعينيها كل ذلك لم يفت عيناه المراقبتين لها, كان وكأن الغرفة قد فرغت إلا منهما فقد سكنت الأصوات في الوقت الذي غرق فيه كلاهما في الآخر, لم يكن معز ليعترف بتلك الحسرة التي تملكت قلبه وهو يتفوه بتلك الكلمات ونبضة خائنة متمنية لو كان الأمر حقيقة... لو أن المشاعر التي رافقت الإعلان كانت مغايرة لهذه المشاعر السلبية, ولكنها كانت فقط نبضة خائنة سرعان ما تخلص منها ليعاود سيل أفكاره المشتعلة المتمحورة حول قاهرة وحدها.

رمش معز بعينيه ليخرج ذاته من ذلك السحر الذي وقع في أسره ما إن نظر لها في عينيها وانتقل بهما سريعا نحو نزار راسما ابتسامة ساخرة لم تخل من الانتصار وكأنه يخبره دون كلمات أن قاهرة هي ملك له وحده.

كان الخوف الممتزج بالذهول هما من تملكا عليها مشاعرها في تلك اللحظة وقد خرّب معز كل مخططاتها مع نزار, ما الذي يجري معها هي لا تدري!!! تشعر كما لو أن كل ما تحضره ينهار أمام عينيها كقصور الرمال المتهاوية, لا شيء مما خططت له يسير جيدا, خطوبتها المزعومة لنزار... أصبحت خطوبتها المزعومة لمعزّ وقد قرر بعنجهية فيه ولأسباب لا تدريها وتتوجس منها خفية أن يعلن أنها خطيبته هو, عقلها يكاد يتوقف من كثرة محاولاته لتحليل ذلك الموقف ومحاولة الوصول لتفسير يرضيها دون فائدة, صدمة كلماته جعلها كما لو أنها متفرجة على مسرحية هزلية لا تستطيع إيقافها.

تصلب نزار في مكانه للحظات وقد تفاجأ بخطوة معز التي لم يتوقعها مطلقا على الرغم من شعوره بأن معز لم يكن ليمرر الأمر بسهولة وقد شهد هو بنفسه على حفلاته الرثائية على حاله المتكررة على مر الأعوام الماضية, اللعنة عليه هذا المجنون!!! رأى النظرة التي أرسلتها قاهرة باتجاهه فتحرك سريعا ليقف بجوار معز واضعا يده على كتفه ضاغطا عليها بشدة ليؤلمه قائلا بابتسامة ضيقة: مبارك لكما معز... أتمنى لكما السعادة!

وكأن كلماته تلك هي ما حطمت السد فقد انهالت بعدها المباركات التي تأرجح فيها المفاجأة المختلطة بالتحفظ, رغما عنها شعرت قاهرة بالألم بداخلها وهي ترى أفراد ما يسمون عائلتها يعاملونها بذلك التحفظ ورغم كل محاولاتها في تقسية قلبها ضد هذا الألم إلا أنها لم تنجح.

في حين ظلت دمشق متصنمة في مكانها عيناها فقط من تنتقلان بين قاهرة ومعز وذلك الطفل الصغير الذي لا يزال يقف متشبثا بيد قاهرة وعيناه تراقبان ما يحدث في صمت, هي لم تشعر بأنها قادرة على النهوض والتلفظ بكلمات المباركة لقاهرة ومعز, بل في الحقيقة كانت غارقة بمتاهات أفكارها وهي ترى ابنها وجها لوجه لأول مرة منذ عدة سنوات, الغضب والكراهية اللذان كانت تتوقع بأنهما ما قد تشعر بهما اتجاه ابن زياد لم يأتيان, في الحقيقة هي لم تر زياد مطلقا عندما نظرت لرائد, رأت ذاتها فيه نوعا ما وقد كانت عيناه نفس شكل عيناها وإن اختلف لونهما, ارتفعت يدها ببطء وكأنها تتشوق لملامسة الصغير قبل أن تسقط مرة أخرى في حضنها دون أن تستشعر دفئه وقد فصل بينهما الكثير كان أهونها المسافة بين الأريكة التي تجلس عليها وبين المكان الذي وقف فيه الجمع.

في ظلال الشرق - ج1 من سلسلة ظلال -حيث تعيش القصص. اكتشف الآن