99_rrh
ثمة ضرب من الفناء أشد هولاً من الموت نفسه، أن يكتشف المرء، وهو في أوج حياته، أن كل لحظة عاشها، وكل دمعة ذرفها، وكل ضحكة ارتجت لها أضلاعه، لم تكن سوى مشهد في مسرحية كُتبت فصولها قبل أن يولد، وأنه لم يكن يوماً بطل حكايته، بل أداة تحركها أصابع الآخرين، بينما هو يظن أنه يمشي بقدميه
فأي جحيم هذا الذي لا يحرق الجسد، بل يحرق اليقين نفسه؟ حين تتحول الذاكرة -تلك التي ظننّاها الأرض الثابتة تحت أقدامنا- إلى رمل متحرك، لا نعرف أين ينتهي الصادق منها وأين يبدأ الملفّق؟ حين تدرك أن الوجه الذي ابتسم لك كل صباح، وقال لك «أحسنتِ»، لم يكن يرى فيك إنساناً يستحق الحب، بل أداة تُصقل بصبر، وسلاحاً يُشحذ بمحبة مزيفة، حتى يحين يوم استعماله؟
هنالك، عند تلك الهاوية، لا يعود السؤال: «من خانني؟»، بل يصير: «هل كنت يوماً موجوداً أصلاً؟ أم أن كل ما أسمّيه أنا لم يكن إلا صدى لرغبات غيري، ونسخة مشوهة صاغتها أيدٍ لم تسألني: ماذا تريد أنت أن تكون؟»
وحينها، حين يتهاوى اليقين بأكمله، ولا يبقى من الذات سوى رماد يتطاير مع أول ريح، يدرك الإنسان حقيقة موجعة: أن أقسى أنواع العبودية ليست تلك التي تكبّل اليدين بالأغلال، بل تلك التي تقنع الروح أنها حرة، بينما هي تنفّذ، بكامل رضاها المزعوم، إرادة من استعبدها