karl67il
ما كنتُ أظنّ أن للروح أبوابًا أكثر مما للبيوت
ولا أن في الإنسان هذا العدد من الغرف الموصدة
ولا أن بعض الأصوات إذا وُلدت في الرأس
عاشت فيه كما تعيش العائلة القديمة في بيتٍ ورثته عن الخراب
كنتُ أظنّني في أول أمري حزينًا فقط
ثم حسبتني متعبًا
ثم قلت: لعلها قسوةُ الأيام أو طول السهر أو فرطُ التفكير
لكنّني مع الأيام صرتُ أرى في داخلي أشياء لا تُشبه الحزن وحده
ولا التعب وحده
ولا الوحشة وحدها
كان في صدري قومٌ لا أعرفهم
وفي رأسي ممرّاتٌ لا تنتهي
وفي عينيّ ليلٌ لا يطلع عليه الفجر كما يطلع على الناس
كنتُ أضحك أحيانًا ضحكًا لا أعرف سببه
وأتكلم كثيرًا حتى أتعب اللغة نفسها
ثم لا ألبث أن أهوِي إلى قاعٍ لا قرار له
فأصير أثقل من أن أرفع رأسي
وأبرد من أن أصدّق أنني ما زلتُ حيًّا
لم أكن رجلًا واحدًا كما يظنّون
كنتُ أمشي بينهم بجسدٍ واحد
لكنّ داخلي كان مزدحمًا بما لا يُرى
وهذه ليست حكاية جنون
كما سيقول السطحيّون الذين يخافون من كل شيء لا يفهمونه
بل هي حكاية رجلٍ
أراد أن يعيش كما يعيش الناس
فوجد نفسه كل يومٍ
يُقاتل ليبقى فقط
دون أن ينكسر أمامهم
أكتب هذه الصفحات لا لأُشفى
فبعض الجراح لا تُشفى بل تتعلّم كيف تصبح صامتة
ولا لأستعطف أحدًا
فما عاد في نفسي رغبة لأن يفهمني الناس
لكنني أكتب
لأنني تعبتُ من حمل هذا الخراب