حينَ استدعاها والدُها إلى لندن، لم تكنْ ترى في الأمرِ أكثرَ من حالةٍ نفسيّةٍ جديدة، روحٍ مُنهَكةٍ أخرى تحتاجُ إلى الفهمِ والتشخيصِ والإنصات. كانتْ تمتطي خيلَ أفكارِها بثقةِ فتاةٍ لم تُهزم بعد، وتظنُّ أنَّ البشرَ مهما تعقّدَ خرابُهم، يظلّون قابلينَ للفهمِ إذا ما اقتربَ المرءُ من جراحِهم بما يكفي اذ انها دخلتْ حياتَه كما يدخلُ الضوءُ نافذةً مهجورة؛ بخفَّتها المُشرقة، وابتسامتها التي تُشبهُ صباحًا لم تمسسْه يدُ الحزنِ يومًا. كانتْ تؤمنُ أنَّ العالم، مهما اشتدَّ قُبحُه، لا يزالُ يحتفظُ بالرحمة، وأنَّ الأرواحَ المكسورة لا تحتاجُ سوى قلبٍ يُصغي إليها دونَ خوف. أمّا هو...فكانَ النقيضَ الكاملَ لكلِّ ما عرفتْه.رجلًا بريطانيًّا يحملُ في ملامحِه البردَ الذي تصنعُه الأعوامُ الطويلةُ من الخسارةِ والصمت. كانَ أشبهَ بليلٍ لا قمرَ فيه؛ هادئًا بطريقة مقلقة، ومُنهكًا على نحوٍ يجعلُ المرءَ يتساءلُ كم مرّةً اضطرَّ هذا الرجلُ إلى النجاةِ وحده. ظنَّته في البدايةِ مجرَّدَ حالةٍ أخرى... ملفًّا جديدًا ستدرسه، وعقلًا مُضطربًا ستحاولُ فهمَ متاهاته كما فعلتْ مع غيره.لكنَّه لم يكنْ كغيرِه. كانَ يتنفَّس... فتضطربُ أنفاسُها. ويرفعُ عينَيْه نحوَها... فتشعرُ كأنَّ شيئًا مُعتمًا في داخله يبتلعُ ضوءَها ببط
More details