يُحكى أن عمال المناجم في القِدَم كانوا يصحبون معهم كناريًا صغيرًا في أقفاصهم إلى أعماق الأرض. لم يكن الطائر هناك للغناء. كان حارسًا هشًّا على حافة الهاوية. يلتقط السمّ قبل الجميع، يرتجف وينطفئ صوته أولًا، ليمنح الآخرين فرصة أخيرة للنجاة قبل أن يطبق عليهم الظلام. في سوريتنا التي شابهت منجمًا طويلًا لا ينتهي، كان لكل بيتٍ كناريّه الخاص. كان صوتًا دافئًا يبدد الخوف، أو فكرةً تضيء العتمة، أو أبًا يغني لأطفاله كي يحرس نومهم من كوابيس الليل. ثم تغيّر طعم الهواء. وضاقت الجدران. وامتلأت الطرقات بما لم نعرف له اسمًا سوى الفقد. تركنا أعشاشنا قسرًا، وحملنا معنا حقائب صغيرة وأعمارًا كاملة، بينما بقيت خلفنا أشياء لا تتسع لها الحقائب؛ ضحكاتٌ معلقة على الجدران، أغانٍ مبتورة، وأصواتٌ اعتدنا أن نهتدي بها حين تشتد العتمة. ومنذ ذلك الحين، ظل سؤال واحد يطاردنا: كيف يعيش الإنسان حين يختفي الصوت الذي كان يحرس روحه من السمّ؟ هذه الحكاية عن أصواتٍ انقطعت في منتصف الأغنية. عن قلوبٍ بقيت سنوات طويلة تحدق في الأبواب والنوافذ ذاتها، لعلّ الكناري يعود يومًا. ليُكمل الأغنية التي انقطعت في منتصفها
More details