_m_k42
في تلك اللحظة التي قرر فيها أن يكتبها، لم يكن يبحث عن ورقةٍ أو قلم،
بل كان يبحث عن وسيلةٍ تليق بجلال هذا الحضور. كانت لغته قد استُنزفت في وصف العابرين،
لكنها هي لم تكن عابرة؛ كانت الاستقرار الذي يسبق العاصفة، والسكينة التي تعقبها.
جلس أمام صمت العالم، وشعر بقلبه يتحول إلى مِحبرةٍ من روح. لم يكن الحبرُ أسوداً،
بل كان ضوءاً ينسكب من مسامات ذاكرته. بدأ يخط السطر الأول، مدركاً أن الغياب الذي يبتلع المدن والوجوه،
سيعجز حتماً عن محو هذا الأثر. لقد رسمها في قلبه قبل أن يكتبها على الورق، فصارت ملامحها هي اللغة الوحيدة التي يتقنها،
وسط لغاتٍ بشرية باتت تبدو له صماء بلا معنى.