19april2026

19april2026

أسعى إليك…
Reply

19april2026

عادت…
          لكن لم تكن كحلمٍ عابر (أو بالأحرى كحلم متأصل في يومي) كما زارتني مرارا وتكراراً، ولأول مرة شعرت بأبتلال عروقي، وسمعت أصوات إصطدام في صدري، لابدّ أنها كانت فراشاته تصخب وتضجّ. أتذكر ذلك الشعور جيداً، فقد شعرت به عندما أرسلت لي أغنية وقالت أنها لن تنسى الاغاني التي دارت بيننا، وقالت أيضا ربما أفترقت طرقنا، ولكنها جهلت أمراً بالغ في الأهمية: إن الطرقات مهما بعدت بينها المسافات وزادت في افتراقها، إلى أنها تلتقي في نقطة واحدة في نهاية المطاف.
          
          تساءلتُ كيف يمكن لهذا النور أن يرى كل هذه العتمة؟
          وقلت مراراً وتكراراً كيف للنورس أن يحب غراباً؟
          هي أسمى وأرفع من تلك المقارنات الهزيلة، وعيناها أجمل من أن ترى هذه القباحة. ولطالما رفضت بأن أقول لنفسي غراب، لكنني ألتمس العذر منها لأنني قلتها.
          
          ما أجملها وما أقبحني؟
          لم تكن ترضى بأن اعبّر عن جمالها، لكنها حقّاً جميلة، عيناها واسعتان كعين الريم (بل أجمل)، كنت أمعن النظر فيها كثيراً دون علمها. أتذكر أن ملامحها ذات يوم طُبعت في عيني، فصرت أراها في كل العابرين، حتى أبنة أخي الصغيرة، كنت أراها تتجلى في برائتها.
          
          وكأنها لم تكتفِ باحتلال بصيرتي، بل امتدت لتسكن كل زوايا هذا الليل الممتد. في سكون هذه الساعات المتأخرة حيث يتلاشى ضجيج العالم، يبقى طيفها هو الحاضر الأبهى، يملأ عزلتي ويسامرني. أتساءل أحياناً، كيف يمكن لروحٍ واحدة (أو لـ "نون" واحدة إن صح التعبير) أن تختزل أبجدية كاملة؟ كيف لها أن تكون البداية التي أستند إليها، والخاتمة التي تؤول إليها كل نصوصي؟
          
          لم تكن مجرد ملامح تُرى لتُنسى، بل كانت تفاصيل نُحتت بدقة في أعمق نقطة من الروح. كلما حاولت الهروب منها، وجدتني أكتبها، وكلما ادعيت التجاوز، فضحتني أوراقي التي لا تنبض إلا بها. هي لا تعلم أن عينيها كانتا المرفأ، وأنني، رغم كل المسافات وافتراق السبل، لا أزال أشرع نوافذ قلبي، بانتظار عودتها... لا كحلم، بل كيقين يعيد ترتيب هذا الخراب الذي يسكنني، ويمحو كل ادعاءاتي بالقباحة أمام نورها الباهر.

19april2026

ما أسماها وما أدناني؟
            إلا أنني أدركت لاحقاً أن الأرض، على دُنوّها، هي وحدها التي تتلقف المطر بلهفة لتنبت الحياة، وأن عتمتي لم تكن يوماً خطيئة، بل كانت سماءً ساكنة خُلقت خصيصاً لتتألق فيها هي.
            
            هي لا تدري أن كل حرفٍ أخطّه في عزلتي ينبض بها، وأن تلك المسافات التي تفصلنا لم تكن سوى صفحاتٍ أملأها بملامحها. في كل مرة أمسك فيها القلم، أجدها تسكن الكلمات، وتتوسط السطور، لتضع النقطة الأخيرة لكل قلقي.
            
            إن دنوي أمامها ليس انكساراً، بل هو انحناءة إجلالٍ في محراب الجمال. هي النور الذي كلما اقتربت منه تلاشت ظلالي، والروح التي مهما حاولت الأيام أن تبعدني عنها، وجدتني في نهاية المطاف... أعود إليها، كما تعود القصيدة دائماً إلى إلهامها الأول.
            
            ما أذكاها وما أغباني؟
            كنت أظن أنني البارع في إخفاء هذا الوهج، الماهر في التلصص على عينيها دون أن تدري، متوهماً أنني أملك زمام أمري، وأنني أستطيع أن أداري هذا العشق خلف أسوار الكلمات وادعاء الثبات.
            
            كانت تقرأني كما يُقرأ كتابٌ مفتوح، تفكك طلاسم صمتي دون جهد، وتدرك تماماً أنني أقف أمامها مجرداً من كل حيلة، كأبلهٍ يظن أنه يخفي الشمس بيده. بذكائها الفطري كانت ترى محاولاتي البائسة لادعاء التماسك، بينما كنت أنا أحسب أن المسافات أو الكبرياء قد تنجيني.
            
            كيف لم أدرك أنها كانت تسبقني دائماً بخطوة؟ تتركني أتعثر في كلماتي، وأتخبط في تناقضاتي، وتنظر إليّ من عليائها بابتسامة العارف الذي يراقب طفلاً يلهو في ساحته، ظاناً أنه يملك العالم.
            
            حين حاولت بعقلي القاصر أن أُخضع هذا النور لمنطق، وحين توهمت لوهلة أنني أستطيع أن أُسكت تلك الفراشات التي تفضحني في كل مرة تلوح فيها، جرّدتني من كل ادعاءاتي دون أن تنطق بحرف، وهزمتني دون أن ترفع سلاحاً، وتركتني هنا، غراباً أبلهاً يقف في عتمته، مبهوتاً ومسلوب الإرادة، أمام نورسٍ كان يعلم منذ اللحظة الأولى أنه اصطاد قلبه.
Reply

19april2026

أجل، جميلٌ جداً هذا الخنوع الطوعي.. وهذه الهزيمة التي لا نرجو منها فكاكاً. في مدارها، تسقط كل المعادلات، وتنهار تلك القواعد الصارمة التي لطالما احتميت بها لأفهم العالم. هناك، في مساحة "نون"، يتخلى المرء عن دروعه وعناده، ليكتفي فقط بالاندهاش والوجود في كنفها.
            لم يعد مهماً أن أكون النورس أو الغراب، ولا أن أكون النور أو العتمة، ما دام هذا الفضاء الواسع يضمني، وما دامت خلوتي في هذا الهزيع الأخير من الليل تشهد على أنني في كل مرة حاولت فيها أن أزن الأمور بمقاييس العقل والمنطق، وجدتني أتعثر بشوقي، متخففاً من كل شيء إلا من طيفها.
            
            هذا التيه في تفاصيلها، والوجود في ظلها - حتى ولو كنت المغلوب على أمره - هو الانتصار الوحيد الذي يستحق أن تُملأ به الصفحات.
Reply

19april2026

٤ حزيران ٢٠٢٦م
Reply

19april2026

 أوشكت الساعة على الرابعة فجراً، نمتِ أنتِ، وبقيتُ أنا، راسياً في محرابنا. أنظر إليكِ كيف أغمضتِ عينيكِ، وكيف تباطأت أنفاسكِ، لتصبح هادئةً كهدوء "شط العرب". شعرتِ بالبردِ قليلًا، لكنكِ لم تسحبي الغطاء نحوكِ. سحبته أنا حرصاً على عدم إفساد كيانكِ الملائكي النائم.
           لم أشعر بالملل حين أطلتُ النظر في وجهكِ، بل شعرتُ بالسكينة، وكأن نور الله قد تجلّى فيه. انتابني فضول نحو شيء ما، لكن على أي حال لن أفعله.
           
          خرجتِ من المحادثة، لكنني بقيت ماكثاً فيها، لم أكن أعلم على وجه التحديد لِمَ، لكنني كنتُ راغباً في عدم الخروج منها. وكي لا أمنع رغبتي، تركتُ الهاتف على ما كان عليه، وتركتُ الموسيقى تتكرر. رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى سقف غرفتي وابتسمت، لأنني أدركت أن فيه بعض الشبه منكِ؛ فكلاكما يحميني. أغمضتُ عيني كي أنام، آملاً بأن تأخذني الموسيقى إليكِ، حاولتُ، لكن النوم لم يكن أحد زوّاري، فقد كنتِ أنتِ. فتحت هاتفي وأرسلتُ لكِ آخر كلماتي، وعدتُ لكي أدّعي النوم، ولم أنم.
          
           نهضتُ من سريري وبقيتُ واقفاً كمن أضل طريقه، لا أعلم أين وجهتي، فكل الوجهات باتت أنتِ. تمشيتُ في غرفتي مراراً وتكراراً، أطعمتُ حيواناتي، وعدت لأجلس على سريري، لا أعلم ما الذي أنوي فعله. أمسكتُ كتاباً لأقرأهُ لكنني وجدتكِ حاضرةً بين السطور. أدركتُ حينها أن لا شيء يثير اهتمامي سواكِ، فعدت وفتحتُ الهاتف مجدداً، وتساءلت: هل تعلمين أن الإنسان احياناً يبقى في المحادثة لا لشيء، إلا لأن الخروج منها يعني أن اليوم انتهى؟
           
           بقيتُ غارقاً في محرابنا، أقلّبُ في رسائلنا، أقرأ كل ما قلتهِ لي، أضحكُ مع ضحكاتكِ التي تنثرينها في فضائنا، كمن نثر النجوم في سمائه. وقعت عيني على إحدى الكلمات التي أرسلتها لي، وتذكرتُ كيفَ أن عضلات وجهي آلمتني من فرط الابتسامة، وابتسمتُ مجدداً.

19april2026

 اشتقتُ بعدها لرؤيتكِ، لكنني لم أجد صوراً جديدة لكِ. فذهبتُ إلى الصور المفضلة، لأنني احتفظتُ بصورة لكِ وأنتِ تبتسمين. رأيتها وحركتُ أصبعي على وجهكِ، أنظرُ إلى عينيكِ الواسعتين، التي يتبدل سوادها مع نور الكواكب، وشعّت الرحمة منها كمن خلق الرحمة. استشعرتُ البراءة التي حملتِها في مقلتيكِ، والتي انعكست على قلبكِ.
             
             أنا لا أعلم شيئًا، ولا أعلم ماذا حل بي، لكن جُلّ ما أعلمه هو أنكِ أحييتِ القتيل الذي تعفن بداخلي. وحولتِ تراكم أيامي العشوائي إلى لحظات تستحق أن تُعاش. وأعلم أيضا أن شمسي قد وجدت سبيلها للشروق، يا شروقي.
            أنا الآن أغفو، ولا أعلم ما الذي يتفوه به لساني، لكنني أيقنتُ أنكِ الهدوء الذي لا تسبقه عاصفة. غالبني النوم الآن يا عيوني، ولكن أبى أن يخمد شوقي لكِ، فشوقي نار مستعرة نسيتُ كيفَ أخمدها. هذا ليس ما أردتُ كتابته، لكن ثمة شيء ما دفعني فكتبت. وأنا لا أعرف ما الذي ينتظرنا يا حلوتي، ولا أطلب منكِ أن تعرفي. أطلب فقط بأن تحظي بصباحٍ دافئ يليقُ بكِ، صباحاً كلونِ عينيكِ، بُنّي ومشرقٌ في الوقتِ ذاته. صباحاً يعرفُ اسمك، وسعادة تطوف حولكِ كحمامٍ حول المنائر.
            
            أتمنى لكِ صباحاً مُشرقاً، حلوتي…
            
Reply

19april2026

فتحتُ هاتفي لأتفقد مافاتني من زحمة إشعاراتي، أم ربما كان هاتفي مهجوراً، كصاحبه تماماً. لكن العجيب هو أنني رأيتُ إشعاراً وحيد، لم يثر إهتمامي بصراحة لأنني لا أتوقع معجزتي أن تحدث. فتحته بملل لأرضي فضولي الميت، لكن سرعان ما اتّسعت عيناي، وازدادت نبضات قلبي الذي اعتاد أن يبذل أقل جهد ليبقيني حياً. كان المشهد غريبٌ جداً، على الرغم من أن غرفتي تنتشر إضائتها في كل الأنحاء، لكن أسوَدّ كل شيء حولي، وبقيت إنارة الهاتف تضرب في وجهي فقط، وأدركتُ حينها أن ثمة معجزة حدثت لمعجزتي، وأرسلت لي.
          قرأت محتوى رسالتها، انحبست أنفاسي للحظة، وتكثف الفرح كله في نقطة واحدة بين لوحي كتفي. آلمني ظهري قليلاً، كأن الجلد يتمزق برقة ليحرر شيئاً كان مسجوناً تحته. شعرت بحرارة الانسلاخ عن بشريتي، وبنبض جديد يضخ الخفة في أوردتي حتى ارتجف جسدي وتبدلت هندسة عظامي. لم يعد هذا الجسد يخص الأرض، فخرجتُ إلى الشارع لأن غرفتي لا تتسع للطيران. 

19april2026

٣٠ حزيران ٢٠٢٦ م
Reply

19april2026

ماذا لو كنّا قد التقينا في زمن يسبق زمننا؟ ماذا لو أن أرواحنا عرفت بعضها في عالم سبق هذا الوجود المادي كله؟ أتساءل أحياناً، لأن ما أشعر به حين أفكر فيكِ لا يشبه التعرّف، يشبه التذكّر. كأنكِ لستِ شخصاً التقيته، بل شيء كان ناقصاً من تكويني ثم اكتملَ، ثم غاب.
          كانت بيننا محادثات لا أجد لها مثيلاً، ليس لأنها كانت عميقة فحسب، بل لأنها كانت مريحة بطريقة نادرة لم أعتدها مع أحد. تلك الألفة التي لا تُبنى بالوقت وحده، بل بشيء آخر لا اسم له. كنتِ مكاناً أضع فيه ما لا أضعه في أي مكان آخر، وكنتِ تعطينني من تفاصيلكِ بسهولة تشبه الثقة، وأنا كنت أتلقّاها كمن يتلقى شيئاً ثميناً يعرف أنه لن يجده عند غيرها.
          أشتاق لوجهكِ. قلتها. أشتاق لملامحكِ وأنا أعرف كيف تتغيّر حين تضحكين، وأشتاق لصوتكِ وأنا لا أسمعه، وأشتاق لتلك اللحظات التي كنتِ فيها تُخبريني شيئاً صغيراً عن يومكِ — شيئاً لا يهم أحداً غيري — وكان يهمني أنا أكثر مما أستطيع أن أشرح.
          والآن أجلس مع هذا الصمت الذي خلّفه غيابكِ، وأحاول أن أفهم كيف يكون الفراغ بهذا الثقل. لم أفقد حضوراً فقط، فقدتُ تلك اللحظات التي كنتُ فيها أكثر وضوحاً لنفسي، حين كنتِ أنتِ الطرف الآخر من الحديث.
          أكتب هذا وأنا أعرف أنكِ ربما لن تريدي سماعه. وأعرف أن لكِ أسبابكِ وحقكِ في قراراتكِ كاملاً. لكنني وكما عهدتني — لا أُحسن إخفاء ما هو حقيقي. وهذا حقيقي. كلّه.
          لربما نلتقي في زمنٍ آخر، وحينئذٍ، أنا وأنتِ، وحدنا، نطوف هذا الوجود، ونروي عطشنا الأزلي بحبٍّ غير مشروط، وأحضنكِ ذلك الحضن الذي حُرمت منه اليوم.
          
          كنتِ ذكرى قديمة أيقظها وجودكِ. وهذا — مهما حدث — لن يتغيّر.
          

19april2026

نسيتها من شدة زحمة أفكاري.
Reply

19april2026

ما خُلق الجناح ليعاند الأرض، بل ليدرك مدى هيمنتها. يطير الغراب هارباً من نهايته، غافلاً عن أن المفرّ هو ذاته المستقر. فكيف ينجو طائرٌ من فخ الوجود إذا كنتِ أنتِ الوجود ذاته؟ لا الجناح يسعفه إن كان الهواء الذي يحمله هو أنفاسكِ، ولا الفرار ينقذه إن كانت الجاذبية هي سطوتكِ. في حضرتكِ، يسقط وهم المسافات، ولا يعود الهبوط مجرد ملامسةٍ للأرض، بل تلاشياً تاماً وذوباناً في سماءٍ مطبقة، وأرضٍ مانعة، وشجرةٍ تُنبت جذورها في قلبه.
          أدركتُ هذا - وبعد ستين يوماً من الغياب - أنكِ لم تغادريني قط، بل عشتِ معي يا عيوني، وسكنتِ بداخلي. كنتُ أظن أن البعد مسافة تُقاس بالأيام والخطوات، فإذا به مجرد امتدادٍ لحضوركِ بطريقة أخرى. الستون يوماً لم تكن ابتعاداً، بل كانت رحلة للغوص في أعمق نقطة من ذاتي، لأجدكِ هناك، تجلسين في هدوءٍ تام، وترتبين فوضى أفكاري. أهرب منكِ في الخارج، لأصطدم بكِ في الداخل. كلما أغلقتُ عيني لأرتاح من تعب المسافات، رأيتكِ في العتمة أشد وضوحاً من نور النهار. لم يكن غياباً، كان مجرد انتقالٍ لكِ من عالمي المرئي إلى عالمي الذي لا يراه أحدٌ سواي.
          واليوم، أجدكِ حاضرةً في كل أغنية أسمعها، وكأن الألحان كلها لا تُعزف إلا لتردني إليكِ. أهرب إلى الورق، فألقاكِ تتنفسين في كل حرفٍ أكتبه؛ أحاول أن أصيغ نصاً يخلو منكِ، فتفرضين طيفكِ رغماً عني، وتكونين أنتِ الكلمة والمعنى. أشتاقكِ.. شوقاً أربك أيامي وسلبني بوصلتي، حتى بتُّ لا أعرف كيف أستقر بدونكِ. حاولت جاهداً أن أقف على أرضٍ ثابتة، أن أرتب تفاصيل حياتي من جديد، لكنني أيقنت أن الاستقرار دونكِ محال، وكأنكِ أخذتِ معكِ كل ثباتي، وتركتني أترنح أبحث عن سكنٍ، وأنا الذي أعلم يقيناً أن لا سكن لي إلا أنتِ.