Da_rk1213
لم تكن نظرةً... كانت بحرًا.
بحرًا قرر أن يرسل إلى قلبي موجةً واحدة، لكنها كانت كافية لتغيّر سكونه كله.
جاءت هادئةً كما تأتي الأمواج في أول الفجر، ثم ما لبثت أن ارتطمت بشاطئ روحي بكل ما تحمله من دهشة، حتى شعرت أن نبضي قد أصبح جزءًا من هدير البحر.
لم يكن بيننا حديث، ولم تعبر المسافة سوى نظرة، لكنها كانت أثقل من ألف كلمة، وأصدق من ألف اعتراف.
في تلك اللحظة، لم أعد أسمع شيئًا. خفتت الأصوات، وتراجع العالم إلى الخلف، ولم يبقَ سوى عينين التقتا بعينيّ، وكأن الزمن انحنى احترامًا لتلك الثواني القليلة.
كانت موجةً... لكنها لم تكن ككل الموجات.
الموج يعانق الشاطئ ثم يعود إلى البحر، أما هي فقد عانقت قلبي وتركت البحر داخلي. رحلت، لكن صداها بقي يتردد في أعماقي، كهديرٍ خافتٍ لا يسمعه سواي.
ويا للعجب...
كيف استطاعت ثوانٍ، وربما أقل من ثوانٍ، أن تترك أثرًا تعجز عنه سنوات؟
كان شعورًا مُسكرًا، لا لأنه أفقدني وعيي، بل لأنه جعلني أرى العالم للحظةٍ بعين قلبي. شعرت أن شيئًا دافئًا مرّ في داخلي، كأن الموجة حين لامستني أخذت معها كل ضجيج الحياة، وتركت مكانه سكينةً ممزوجةً بارتباكٍ جميل.
ومنذ تلك اللحظة...
كلما أغمضت عيني، عاد البحر إليّ.
لا لأراه...
بل لأشعر بتلك الموجة مرةً أخرى، وهي تعبر قلبي برفقٍ يشبه الحلم، وبقوةٍ تشبه القدر.
وربما كانت مجرد صدفة...
لكن بعض الصدف لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تتحول إلى شاطئٍ يعود إليه القلب كلما اشتاق إلى ذلك الارتجاف الأول... ذلك الارتجاف الذي أخبره، للمرة الأولى، أنه ما زال يعرف كيف يخفق.