عزيزتي رِهام،
هذه أيّامٌ ثِقال.
أستشعِر ثِقلها على كتفي
أتمنّى لو أتجرّد من نفسي
أخلع ذاتي كما أخلع قميصي
وأرتدي أنا أُخرى
أُغلق نوافذ الذّكريات
وأُسدِل ستائر النّسيان
أرقصُ على أعتاب الخَيبات بينما أنفق الأمنيات.
لا تَبكِي،
سَتمضي هذه الأيام.
ولكن، سَيمضي معها العُمر أيضاً
..دُونكِ يا رِهام.
عزيزتي رِهام،
هذه أيّامٌ ثِقال.
أستشعِر ثِقلها على كتفي
أتمنّى لو أتجرّد من نفسي
أخلع ذاتي كما أخلع قميصي
وأرتدي أنا أُخرى
أُغلق نوافذ الذّكريات
وأُسدِل ستائر النّسيان
أرقصُ على أعتاب الخَيبات بينما أنفق الأمنيات.
لا تَبكِي،
سَتمضي هذه الأيام.
ولكن، سَيمضي معها العُمر أيضاً
..دُونكِ يا رِهام.
أبكي غياب ذلك العناق الأخير،
وأبكي وطأة هذه الخسارات،
أبكي هذه الوحشة التي تتمدّد وتترعرع في أركان الغرفة.
أتكوّر في فراشي، وانخرط في بكاءٍ مرير؛ لا لشيء، إلا لأنّني لم أعد أملك وسيلةً للمقاومة.
"فُولوديا..
لقد عدتُ أكتب إليك مجدداً؛ لا لأنّ الشّوق غَلبني فَحسب، بل لأنك لم تغادر هذه الحجرة البارحة.
سُحقاً لأقاويلهم! يُثرثرون في الخارج بأنك متّ، وينظرون إليّ بتلك الشّفقة البلهاء التي يوزعونها على مجانين بطرسبرغ. لكنّني وحدي أعلم السر؛ أعلم أنك لستَ راقداً تحت الثّرى، بل تختبئ خلف ستائر النافذة، وأسمع وقع خطواتك الخفيفة وهي تطأ خشب الأرضية المُتآكل كُلّما أغلقتُ عيني.
البارحة، حِين اشتدّ صرير الرياح، خُيِّل إليّ أنك جلستَ عند طرفِ فراشي، ولمستَ جفنيّ المتقرحين بأصابعِك الباردة، فهدأ الأنينُ في صدري.
لم أعد أبكي كالأيام الأولى.. أتراني شُفيت؟
لا يا فُولوديا.. ما زال الحُزنُ ماكِثاً، متجذراً في أعمقِ نَبضةٍ من نبضاتِ قلبي.
وإنه لَمِن الغريب —تلك الغرابة المُحمّلة بالشجن— أن يَحيا الإنسانُ حاملاً أوزار كل هذه الخسارات، ثُمّ يقفُ كلّ صباحٍ أمام المرآة، فلا يتذكّر من يكون.. لقد غدوتُ غريبةً عن نفسي يا فُولوديا."
-نَ. تيشينا.
أطبَق أصابعه المُتشنّجة حَول معدن المسدّس البارد، دافعاً به نحوَ صدغه بإصرارٍ يائس، وكأنّه ينقّب عن خَلاصٍ أخير. وفي تلك اللّحظة بالذّات، تداخَل في ذهنه صوتٌ عميق، مألوفٌ وغريب في آن، فجَرى دمعٌ ساخن من جفنيه المُطبَقين بإحكام، وانبَثق من بين ثنايا أسنانه عويلٌ مكتوم، مشحونٌ بِمرارة الوجود.
تَيبّس جسده في مكانه كأنّه جثّة تَنعي نفسها بنفسها. ثُمّ، فجأةً، انهارَ ذلك اليقين العدميّ؛ ارتخَت عضلاته كلّها، وفتحَ عَينيه ليواجه وَحشة الحُجرة مجدداً. ومع أنّ المسدّس ظلَّ قابعاً في قبضته، إلا أنّ بُكاءه استحالَ إلى نوباتٍ هستيرية مُتلاحقة، وأخذَ يلهث، ساحباً الهواء بشهقاتٍ حادّة.. كمن أدرك بغتةً أنّه محكومٌ عليه بأن يكون وحيداً.. وأن يعيش.
"عزيزي فُولوديا..
لقد تمردتُ على جسدي ونهضتُ اليوم، لا لأحيا، بل لأترك لك هذه الرسالة بأصابع واهنة، تاركةً دموعي تشوّه الكلمات وتطمسُ المعنى.
أتعلم يا فُولوديا؟ لقد تحوّل صوتي إلى بحّةٍ خرساء في حُنجرتي من فرطِ الصّمت الطّويل؛ إنّني مُستهلكة تماماً، ومُتعبة إلى درجة أنّ الكلمات البديهيّة ترفض الخروج من فمي.
سأخطو في هذا الفراغ اليوم لأوّل مرة بعد غيابك، لا لكي أنخرط في العَيش، بل لأبتاع الأقحوان في طريقي إليك. لأجلك يا فُولوديا.. لأجلك."
- نَ. تيشينا.
"عزيزي فُولوديا،
لقد همسوا في أذني —بيقين أرواحٍ لم تذق طعم اللّعنة المُفجعة قَطّ— أنّ اللّيلة الأولى بعد الفقد هي قاع العذاب، وأنّني بمرور الأيام سأنفض هذا الغبار وأنهض؛ أنهض لأسقط مجدداً في زيف الحياة.
ولكن أخبرني يا فُولوديا، لمَ يستمر هذا التخبّط العبثي؟ لمَ أستقبل عتمة الفجر بوعيٍ شقيّ، على وقع أنينٍ مجهول، لا أدرك إن كان ينبثق من شقوق صدري أم من زوايا هذه الغرفة الكئيبة؟ جفناي المتقرحان يلتصقان ببعضهما كأنّما أحرقتهما نار الجحيم! لمَ أجد نفسي منطويةً في هذا الفراش البارد طوال النهار، متخشبةً في مكاني كأنّ ساقي أصيبتا بشللٍ وجودي يوثق قيدي في هذا العجز الخالص؟
كيف للمرء أن يخطو خُطوةً واحدة في هذا الفراغ الشّاسع، يا فُولوديا، وصدره محشوٌّ بركامٍ من الرماد التافه؟ كيف يُطلَب منّا أن نرتدي أقنعة العيش، وأن نُجرجر أقدامنا كمسوخٍ مبتورة، بعد أن توهّمنا يوماً —في غمرة الحب— أنّنا كائناتٌ كاملة لا يطالها الفناء؟"
-نَ.تيشينا.
Ignore User
Both you and this user will be prevented from:
Messaging each other
Commenting on each other's stories
Dedicating stories to each other
Following and tagging each other
Note: You will still be able to view each other's stories.