Oruexcas

مَلَاذُ الْخَائِبِينَ 

Oruexcas

٢٩تَمُّوزْ .
          ​— كَتَبْتُ بِحِبْرِ الحَنِينِ فَمَا جَفَّتْ دُمُوعِي وَلَمْ تَسْكُنِ الرُّوحُ بَعْدَكْ.. ظَنَنْتُ أَنَّ المَسَافَاتِ تَقْتُلُ الذِّكْرَى، فَإِذَا بِهَا تُعِيدُ صِيَاغَتَكَ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ غِيَابِكْ. كُلَّمَا قُلْتُ أَنَّ الأَيَّامَ كَفِيلَةٌ بِالمَحْوِ، عَادَ صَوْتُكَ كَأَعْصَارٍ يَعْصِفُ بِهُدُوئِي المَزْعُومِ.
          ​أَرْتَدِي مَلامِحَ الصَّبْرِ أَمَامَ العَابِرِينَ، وَفِي عُمْقِي غَصَّةٌ لا يَعْلَمُ مَدَاهَا إِلَّا اللهْ. لا أَلُومُ الطُّرُقَاتِ الَّتِي أَبْعَدَتْنَا، بَلْ أَلُومُ قُلُوباً تَبَدَّلَتْ دُونَ أَنْ تَتْرُكَ لَنَا حَقَّ العِتَابْ. كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ الوَفَاءَ سِيَاجٌ لا تَكْسِرُهُ الظُّرُوفُ، فَإِذَا بِالأَيَّامِ تَسْلُبُ مِنَّا أَجْمَلَ الحَكَايَا وَتَتْرُكُنَا نُصَارِعُ بَقَايَا الرَّسَائِلْ.
          ​وَإِنْ سَأَلُونِي عَنْ عِلَّةِ هَذَا الشُّحُوبِ، سَأَقُولُ: غِيَابُكَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ رَحِيلٍ، بَلْ كَانَ هَدْماً لِكُلِّ نَبْضٍ كَانَ يُحْيِينِي. وَإِنْ عُدْتَ يَوْماً، فَلَنْ تَجِدَ ذَلِكَ الشَّغَفَ القَدِيمَ، فَقَدْ تَعِبَ القَلْبُ مِنْ طُولِ انْتِظَارٍ لا يَجِيءْ. وَمَا زِلْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي بِالدُّعَاءِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، لَعَلَّ النَّسَائِمَ تَحْمِلُ إِلَيْكَ مَا عَجِزَتْ عَنْهُ الكَلِمَاتُ.

Oruexcas

«٥:٤٤»رَغْمَ قَسْوَةِ البُعْدِ، أَجِدُكَ فِي كُلِّ فِكْرَةٍ 
          ____تُدَاعِبُ خَيَالِي، لَعَلَّكَ تَحُسُّ بِهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ.

Oruexcas

Oruexcas

هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ التَّعَبِ لاَ يُرَى بِالأَعْيُنِ، يُتْعِبُ الرُّوحَ قَبْلَ الْجَسَدِ، وَيَجْعَلُ الْمَرْءَ يَسْقُطُ مِنْ الدَّاخِلِ دُونَ أَنْ يَسْمَعَ سُقُوطَهُ أَحَدٌ. إِنَّهُ الاِنْهِيَارُ الْهَادِئُ؛ ذَلِكَ الَّذِي لاَ يُصَاحِبُهُ صُرَاخٌ وَلاَ دُمُوعٌ صَارِخَةٌ، بَلْ يَأْتِي عَلَى هَيْئَةِ صَمْتٍ طَوِيلٍ، وَرَغْبَةٍ عَمِيقَةٍ فِي الاِبْتِعَادِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلِّ شَخْصٍ.
            ​تَجْلِسُ وَسَطَ الزَّحَامِ، تَبْتَسِمُ بِهُدُوءٍ، وَتُؤَدِّي وَاجِبَاتِكَ الْيَوْمِيَّةَ كَمَا يُرِيدُ الآخَرُونَ، لَكِنَّكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَسْتَ هُنَاكَ. هُنَاكَ هُدُوءٌ ثَقِيلٌ يَسْكُنُكَ، هُدُوءٌ شَبِيهٌ بِالْمَقَابِرِ لَيْسَ طُمَأْنِينَةً، بَلْ انْطِفَاءً. لَقَدْ تَعِبْتَ مِنْ مُحَاوَلَةِ الشَّرْحِ، تَعِبْتَ مِنْ إِعْطَاءِ الأَسْبَابِ، وَتَعِبْتَ مِنْ التَّظَاهُرِ بِأَنَّكَ بِخَيْرٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَسْأَلُكَ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ حَالِكَ.
            ​هَذَا التَّعَبُ الْخَفِيُّ لَيْسَ إِرْهَاقَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، بَلْ هُوَ تَرَاكُمُ سَنَوَاتٍ مِنَ الصَّبْرِ الْمُفْرِطِ، وَالْمُدَارَاةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَالضَّغْطِ الَّذِي كُنْتَ تَتَحَمَّلُهُ بِصَمْتٍ دُونَ أَنْ تَشْتَكِي. كُنْتَ تَبْدُو قَوِيّاً زَائِدَ عَنِ اللُّزُومِ، حَتَّى صَارَ الْجَمِيعُ يَظُنُّونَ أَنَّكَ لاَ تَشْعُرُ، وَأَنَّكَ لاَ تَنْكَسِرُ، حَتَّى انْكَسَرْتَ فِي الأَخِيرِ بَعِيداً عَنْ أَعْيُنِهِمْ.
Reply

Oruexcas

لَا تَسْأَلْنِي كَيْفَ قَضَيْتُ لَيْلَتِي، فَأَنَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ لَمْ أَعُدْ أُمَيِّزُ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ. أَجْلِسُ فِي زَاوِيَةِ غُرْفَتِي المُنْظِمَةِ، أُقَاطِعُ صَمْتَ المَكَانِ بِأَنْفَاسِي الثَّقِيلَةِ، وَأَتَأَمَّلُ كَيْفَ تَلَاشَتْ كُلُّ الأَشْيَاءِ الَّتِي كُنْتُ أَظُنُّهَا ثَابِتَةً. أَنَا لَسْتُ غَاضِبًا، أَنَا فَقَطْ مُتْعَبٌ حَدَّ العَجْزِ، عَقْلِي لَا يَكُفُّ عَنِ التَّفْكِيرِ وَقَلْبِي لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ المَزِيدَ مِنَ الخُذْلَانِ. أَرْجُوكَ لَا تَقْتَرِبْ، فَالظَّلَامُ الَّذِي يَعِيشُ فِي دَاخِلِي قَدْ يُحْرِقُ كُلَّ مَنْ يُحَاوِلُ الإِقْتِرَابَ

Oruexcas

أَعْشَقُ الْهُدُوءَ لِأَنَّهُ يَمْنَحُنِي مَسَاحَةً لِأَكُونَ أَنَا، بَعِيداً عَنْ مُجَامَلَاتِ الْبَشَرِ وَضَجِيجِ الْحَيَاةِ.
Reply