Pi_28l
رَأَيْتُهَا…
لٰكِنْ لَيْسَ كَمَا يَرَاهَا الجَمِيعُ.
كَانَتْ صَغِيرَةً…طِفْلَةً، ضَعِيفَةً، هَزِيلَةَ الجَسَدِ، مُتْعَبَةَ الرُّوحِ.
ارْتَمَتْ فِي حُضْنِي وَبَكَتْ…
بُكَاءً حَاوَلَتْ إِخْفَاءَهُ طِوَالَ هٰذِهِ السِّنِينَ.
كَانَ بُكَاؤُهَا يَحْكِي كُلَّ مَا حَدَثَ…
وَأَمَّا شُكْوَاهَا فَكَانَتْ تَكْشِفُ كُلَّ مَا مَرَّتْ بِهِ.
ابْتَعَدَتْ بَعْدَ دَقَائِقَ…وَهِيَ تَهْمِسُ:إِنَّ الجَمِيعَ خَذَلُونِي،
وَلَا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ مَا أَفْعَلُهُ مِنْ أَجْلِهِم.
حِينَها قُلْتُ لَهَا:لَقَدْ أَعْطَيْتِ كَثِيرًا…وَلٰكِنْ، مَاذَا جَنَيْتِ؟
سِوَى التَّعَبِ؟ نَظَرَتْ إِلَيَّ بِعَيْنَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ…
كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ لَمْ تَجِدْهَا مِنْ قَبْلُ.
قُلْتُ لَهَا بِهُدُوءٍ: لَيْسَ خَطَأُكِ أَنَّكِ أَحْبَبْتِ بِصِدْقٍ…
وَلٰكِنَّ الخَطَأَ أَنَّكِ نَسِيتِ نَفْسَكِ وَأَنْتِ تُعْطِينَ.
أَنْتِ لَا تُخْلَقِينَ لِتَكُونِي مَلْجَأً لِلجَمِيعِ…
وَلَا قَلْبًا يَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يُجْبَرَ.
ثُمَّ قَرَّبْتُهَا إِلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى…
وَقُلْتُ: هٰذِهِ المَرَّةَ… سَنَكُونُ نَحْنُ لِأَنْفُسِنَا.
سَنُحِبُّهَا…سَنُعَوِّضُهَا عَنْ كُلِّ مَا فَاتَ…
سَنَكُفُّ عَنِ الاِنْتِظَارِ مِنَ الآخَرِينَ
قَالَتْ لِي بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ:
أَتُحِبِّينَنِي…؟
تَوَقَّفَ قَلْبِي لِلَحْظَةٍ…
كَأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ بَسِيطًا أَبَدًا.
قَالَتْ:
شَعْرِي يَتَسَاقَطُ بِكَثْرَةٍ…
وَوَجْهِي شَاحِبٌ…
وَتَحْتَ عَيْنَيَّ سَوَادٌ لَا يَخْتَفِي…
نَظَرْتُ إِلَيْهَا…
لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ النَّاسُ،
بَلْ كَمَا يَنْظُرُ القَلْبُ حِينَ يَصْدُقُ.
احْتَضَنْتُهَا بِقُوَّةٍ…
وَرَبَّتُّ عَلَى كَتِفِهَا بِهُدُوءٍ،
وَقُلْتُ:
Pi_28l
نَعَمْ… أُحِبُّكِ.
أُحِبُّكِ وَأَنْتِ مُتْعَبَةٌ…
أُحِبُّكِ وَأَنْتِ مَكْسُورَةٌ…
أُحِبُّكِ حَتَّى وَأَنْتِ لَا تُحِبِّينَ نَفْسَكِ.
وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِي حَدَثَ كُلُّ هٰذَا
فَأَنَا أَعِدُكِ…
أَنْ أُصْلِحَ مَا كَسَرْتُهُ،
وَأَنْ أَكُونَ لَكِ السَّنَدَ بَعْدَ أَنْ كُنْتُ الثِّقْلَ،
أَعِدُكِ…
أَنْ أُحِبَّكِ كَمَا أَنْتِ،
لَا كَمَا يُرِيدُكِ الآخَرُونَ
وَسَأُحَاوِلُ…
لَا لِأُغَيِّرَكِ،
بَلْ لِأُعِيدَكِ إِلَى نُورِكِ الَّذِي ضَاعَ.
فَلَا تَخَافِي…
مِنَ اليَوْمِ،
لَنْ تَكُونِي وَحْدَكِ أَبَدًا…
لِأَنِّي
أَخِيرًا…
اخْتَرْتُكِ.
•
Reply