strings-
فِي زَمَنٍ صَارَتِ الأَيَّامُ تَمْضِي فِيهِ مُثْقَلَةً بِالسَّعْيِ، وَأَصْبَحَ التَّعَبُ
رَفِيقًا لِكَثِيرٍ مِنَ القُلُوبِ، يَحْسُنُ بِالإِنْسَانِ أَلَّا يَظْلِمَ نَفْسَهُ بِمِيزَانِ اللَّحْظَةِ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يُصْنَعُ فِي الخَفَاءِ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الفَوْرِ،
وَكَثِيرًا مِمَّا يَنْمُو فِي العُمْقِ يَبْدُو لِلعَيْنِ سَاكِنًا.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ تَقْضِي البُذُورُ أَيَّامًا طَوِيلَةً تَحْتَ التُّرَابِ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ،
وَلَا تَرَى هِيَ مَا يَنْتَظِرُهَا مِنْ خُضْرَةٍ وَظِلٍّ وَثَمَرٍ؟
وَمَعَ ذٰلِكَ تَمْضِي فِي طَرِيقِهَا صَامِتَةً، لِأَنَّ النُّمُوَّ لَا يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى شُهُودٍ.
وَلَعَلَّ هٰذَا مَا يَنْسَاهُ المُجْتَهِدُونَ حِينَ يَطُولُ بِهِمُ الطَّرِيقُ؛
فَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا بَقِيَ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا قَطَعُوا، وَيُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ
عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغُوهُ بَعْدُ، وَيَنْسَوْنَ مَا بَلَغُوهُ بِالصَّبْرِ وَالمُوَاصَلَةِ..
وَالحَقِيقَةُ أَنَّ الإِنْسَانَ قَلَّمَا يُدْرِكُ حَجْمَ جُهْدِهِ وَهُوَ يَعِيشُهُ،
كَمَا أَنَّهُ قَلَّمَا يَرَى تَغَيُّرَهُ وَهُوَ يَحْدُثُ.
إِنَّمَا يَلْتَفِتُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ، فَيَرَى أَنَّ تِلْكَ الخُطُوَاتِ الصَّغِيرَةَ الَّتِي
ظَنَّهَا عَادِيَّةً كَانَتْ فِي الحَقِيقَةِ تَبْنِي لَهُ طَرِيقًا كَامِلًا.
وَلِذٰلِكَ فَلَيْسَ كُلُّ تَعَبٍ خَسَارَةً، وَلَا كُلُّ إِرْهَاقٍ دَلِيلَ عَجْزٍ.
فَبَعْضُ التَّعَبِ لَيْسَ سِوَى أَثَرِ المَعْرَكَةِ الَّتِي يَخُوضُهَا
الإِنْسَانُ لِيَصِلَ إِلَى نُسْخَتِهِ الأَفْضَل.
وَمَا أَجْمَلَ تِلْكَ الأَرْوَاحَ الَّتِي تُكْمِلُ سَيْرَهَا رَغْمَ الإِرْهَاقِ،
لَيّسَ أَنَّهَا لَم تَتْعَب، بَل لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الثِّمَارِ العَظِيمَةِ لَا تُوهَبُ
إِلَّا لِمَنْ صَبَرَ عَلَى مَوَاسِمِ الاِنْتِظَارِ.
strings-
فَإِنْ أَقْبَلَ يَوْمٌ شَعَرْتِ فِيهِ أَنَّكِ لَا تُنْجِزِينَ بِالقَدْرِ الَّذِي تُرِيدِينَ،
فَلَا تَحْكُمِي عَلَى نَفْسِكِ مِنْ نَافِذَةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
فَالأَشْجَارُ أَيْضًا تَمُرُّ بِفُصُولٍ يَظُنُّهَا النَّاظِرُ خَالِيَةً مِنَ الحَيَاةِ،
وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ تُعِدُّ فِي أَعْمَاقِهَا رَبِيعَهَا القَادِمَ.
وَإِنْ لَمْ يَرَ النَّاسُ مَا تَبْذُلِينَ، فَإِنَّ الجُهُودَ الصَّادِقَةَ لَا تَضِلُّ طَرِيقَهَا.
فَمَا يُزْرَعُ بِإِخْلَاصٍ يَعْرِفُ كَيْفَ يَبْلُغُ ثَمَرَهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ حِينًا.
وَلَعَلَّ مِنْ أَجْمَلِ مَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ أَلَّا يَفْقِدَ قُدْرَتَهُ عَلَى المُحَاوَلَةِ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَكْسِرُهُمُ العَثَرَاتُ، وَقَلِيلًا مِنْهُمْ مَنْ يَنْهَضُونَ
كُلَّ مَرَّةٍ وَكَأَنَّهُمْ يَبْدَؤُونَ مِنْ جَدِيدٍ.
وَمَا دَامَ فِي القَلْبِ أَمَلٌ، وَفِي الرُّوحِ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ
تُحَاوِلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمْ يَنْتَهِ شَيْءٌ بَعْدُ..
فَإِنَّ بَعْضَ النِّهَايَاتِ الَّتِي أَخَافَتْنَا يَوْمًا، صَارَتْ بَعْدَ حِينٍ بِدَايَاتٍ نَشْكُرُ اللّٰهَ عَلَيْهَا.
وَبَعْضَ الأَيَّامِ الَّتِي ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَكْسِرُنَا، هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي عَلَّمَتْنَا كَيْفَ نَبْقَى.
فَامْضِي مُطْمَئِنَّةً؛ فَلَعَلَّ مَا تَفْعَلِينَه اليَوْمَ أَكْبَرُ مِمَّا تَرَيْنَ، وَلَعَلَّ النُّسْخَةَ
الَّتِي سَتَفْتَخِرِينَ بِهَا غَدًا، تُبْنَى الآنَ فِي هٰذِهِ السَّاعَاتِ الَّتِي تَظُنِّينَهَا عَابِرَةً.
•
Reply