في هذه الأثناء، كانت غزل قد نزلت من غرفتها لتتمشى قليلاً في حديقة الدوار هرباً من أفكارها التي لا تهدأ. ولكن، شق سكون الليل ذلك الصوت الرجولي الساحر.. تيبست خطواتها على العشب، واشرأب عنقها بذهول وهي تدرك أن هذا الصوت العذب ليس سوى صوت عمران الجبار!
سحبها صوته كالمغناطيس، فاقتربت بخطوات بطيئة هادئة، تكاد لا تلمس الأرض، حتى وقفت قريباً من نافذة المندرة الكبيرة. استترت بظلام الليل وتأملت ملامحه الصقرية التي بانت أكثر وسامة مع ضوء القنديل الخافت، وحينما تابع عمران الغناء، وجدت شفتاها تتحركان تلقائياً، لتتمتم معه بصوت خفيض وناعم، دون أن يشعر بها، ليمتزج صوته القوي مع رقتها في نسيج دافئ:
— الحب اللي في قلوبنا... الناس فاكرينه إيه.... ده شاغلنا مهما توبنا.... ولا حلفنا عليه.... مهما بعدنا عنه.... نسيانه أقوى منه..
سكتت غزل فجأة وكأنها استوعبت ما تفعله ظلت واقفة في مكانها، وعيناها العسلية معلقة عليه بحيرة شديدة تنهش صدرها.. لم تعد قادرة على فهم هذا الرجل أو فك شفرات شخصيته، هل هو ذلك الجبار القاسي المستفز الذي لا يرحم؟ أم هو هذا العاشق الشجي الذي يملك قلباً ينبض بكل هذا الدفء؟
تنهدت بعمق، وقررت الانسحاب قبل أن ينكشف أمرها، فالتفتت ومشيت بخطوات هادئة عائدة إلى غرفتها.
أما عمران.. فبمجرد أن ابتعدت خطواتها، توقف عن الغناء، وتصاعدت ابتسامة رجولية ساحرة على شفتيه، وأخذ نفساً عميقاً من شيشته.. فهو منذ اللحظة الأولى التي اقتربت فيها من المندرة، كان حاسساً بوجودها وبعطرها الذي يحفظه عن ظهر قلب، ولكنه فضّل الصمت كي لا يحرم نفسه من مشاركتها له. التفت برأسه ببطء نحو النافذة، ونظر إلى آثار خطواتها على العشب، وهس في سره بعشق وعناد:
— وعيونك العسلية دي.. مفيش نسيان أقوى من حبك في قلبي يا غزل.. وإنتِ ليا ولو بعد حين..
https://www.wattpad.com/1640260023?utm_source=android&utm_medium=link&utm_content=share_published&wp_page=create_on_publish&wp_uname=RowanAiad0
— أنت إنسان مستفز!
في ثانية واحدة، تحولت نظرة البرود في عيني عمران إلى لهيب حارق، وبخطوة سريعة وعنيفة تقرّب منها جداً حتى انعدمت المسافات واختلطت أنفاسهما الساخنة.. انحنى بجسده قليلاً ليصبح في مستوى وجهها، ونطق بصوت خفيض هادئ، لكنه يحمل تهديداً يرتعد له الحجر:
— وإنتِ.. لسانك ده عاد واعر، وعاوز قطعه من لغاليغه!
تملك الرعب والتوتر من غزل، وشعرت بأنفاسه تحاصرها لتسلبها القدرة على النطق. تراجعت إلى الخلف بذعر لتفادي قربه المهلك، لكن قدمها تعثرت فجأة في رجل الكرسي الخشبي خلفها! اختل توازنها وأطلقت صرخة خافتة وهي تسقط للخلف..
ولكن، قبل أن تلمس الأرض، انقضت يد عمران الفولاذية كالبرق لتمسك بخصرها، وجذبها نحو صدره العريض بقوة هائلة ألصقتها به تماماً.
في تلك اللحظة بالذات.. اهتز كيان "الوتد"!
جبروت عمدة الصعيد تزلزل وصار رماداً أمام رقتها ونعومة جسدها بين يديه.. ساد الصمت إلا من دقات قلبه التي قرعت كالطبول وهو ينظر عميقاً داخل عيونها العسلية الساحرة. كم تمنى، وكم احترق في غيابه الطويل لتكون تلك الساحرة ملكه وحده! تضاعفت قبضته حولها ليقربها منه أكثر، بينما تملّك غزل ضعف غريب وتوتر هز أوصالها، فخفت صوتها وهي تحاول دفعه بوهن:
— سيبني يا عمران.. سيبني أرجوك.
لكن عمران كان قد غادر أرض الواقع؛ استمع لنداء قلبه المكبوت لسنين.. حُب عمره، غزالته الشاردة، باتت بين يديه مستسلمة، فكيف له أن يتركها؟!
انحنى فجأة وبلا مقدمات، ليدفن شفتيه فوق شفتيها الكرزية في قُبلة عاصفة..
https://www.wattpad.com/story/409420420?utm_source=android&utm_medium=link&utm_content=story_info&wp_page=story_details_button&wp_uname=RowanAiad0
الاقتباس الثاني
إلى كل امرأة عانت بصمت،
وأعطت من نفسها حتى أوشكت أن تنطفئ.
إلى كل من استنزفت روحها وهي تظن أن الصبر فضيلة،
وأن التنازل المستمر حب،
وأن نسيان الذات ثمن لا بد منه.
إلى كل من حاولت أن تعود إلى نفسها أخيرا،
فلم تجد الاحتواء…
بل وجدت الاتهامات.
إلى كل امرأة قيل لها إن اختيار نفسها نرجسية،
وإن وضع الحدود أنانية،
وإن طلب الاحترام مبالغة.
هذه الرواية لك.
لعلك تجدين بين صفحاتها شيئا يشبهك،
أو صوتا يشبه صوتك،
أو حقيقة تقول لك:
إن العودة إلى النفس… ليست نرجسية