Screws_17
متعبٌ... لستُ أدري أين أرمي،
فكلُ الديارِ ليست دياري...
فتحتُ الكتاب بيدٍ أثقلها التعب، لا لأنني أبحثُ عن حكايةٍ جديدة، بل لأنني كنت أبحثُ عن شيءٍ يشبهني بين تلك الأوراق الصامتة...
ربما كلمةٌ واحدة تُخبرني أن هذا الضياع الذي يسكنني له نهاية، أو سطرٌ صغير يقول لي إن القلوب التي أنهكها الطريق ستجد يومًا مكانًا يليق بها.
قلّبتُ الصفحات ببطء، وكأنني أقلب أعوامًا من عمري...
كل صفحةٍ كانت تحمل ظلَّ شخصٍ كنتُه، وذكرى شيءٍ فقدته، ونسخةً مني لم أعد أعرف كيف أستعيدها.
كم هو غريبٌ أن يحمل الإنسان داخله مدنًا كاملة، ثم يشعر أنه بلا وطن...
أن يمتلئ قلبه بالأصوات، ومع ذلك يعيش في صمتٍ لا يسمعه أحد.
تعبتُ من الطرق التي لا تصل، ومن الأبواب التي ظننتُها نجاةً فإذا بها تزيدني غربة.
تعبتُ من محاولة أن أكون بخيرٍ أمام الجميع، بينما هناك جزءٌ مني يجلس في زاويةٍ بعيدة يسأل: إلى متى سأظل أبحثُ عن مكانٍ أشعر فيه أنني لستُ ضيفًا؟
قرأتُ في الكتاب عن المسافرين... فاكتشفت أن بعض الرحلات لا تكون بين البلدان، بل بين الإنسان ونفسه.
هناك مسافاتٌ لا تُقطع بالأقدام، بل بالصبر، وبالسكوت الطويل، وبالأيام التي تمرّ ونحن نحمل فوق قلوبنا أشياء لا نملك لها أسماء.
ربما لم أكن أبحثُ عن ديارٍ جديدة...
ربما كنت أبحثُ عن شعورٍ قديم، عن ذلك الأمان الذي كان يجعل الأشياء البسيطة عظيمة، عن قلبٍ لا أضطر أن أشرح له حزني، وعن مكانٍ لا أخاف فيه أن أُترك وحيدًا.
أغلقتُ الكتاب قليلًا، ونظرتُ إلى الفراغ من حولي...
وفهمتُ أن الإنسان قد يفقد أماكن كثيرة، وأشخاصًا كثيرين، وأحلامًا كان يظن أنها جزءٌ منه... لكنه يبقى يبحث عن نفسه بين كل تلك الخسارات.
فربما الوطن ليس جدارًا نعود إليه...
ربما الوطن هو اللحظة التي يتوقف فيها القلب عن الهروب، والروح عن السؤال: أين أنتمي؟
وحتى الآن...
ما زلتُ أمشي، أحمل كتابي وذاكرتي، وأبحثُ عن صفحةٍ لم تُكتب بعد...
صفحةٍ لا يكون فيها الغريب غريبًا، ولا يكون فيها التعب هو الحكاية الوحيدة.