SeasRose
هون عليك.. فما هي إلا دنيا وستنقضي في اللحظات التي تطول فيها الليالي على قلبك، وتنزعج من تقلبات الأيام، وتكاد تضيق بوعثاء السفر في هذه الحياة، قف قليلًا، وتأمل هذا الأثر الباكي الذي يختصر حكاية الوجود في كلمات.
حين دخل أمير المؤمنين سيدناعمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام، أراد أن يزور رفيق دربه وأمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح في بيته. حاول أبو عبيدة أن يثنيه برفق قائلًا:"وما تصنع عندي يا أمير المؤمنين؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي!"
لكن سيدناعمر دخل..لم يجد هناك ما تراه الأعين في بيوت الأمراء والقادة؛ لا رِيش، ولا أثاث، ولا وسائد ولا متاع يغري النظر. لم يجد سوى سيف، وترس، ورحل، وإناء صغير يتناول فيه طعامه.نظر عمر يمنة ويسرة، والذهول يعتصر قلبه، ثم سأله وعيناه تغرقان بالدموع:"أين متاعك يا أبا عبيدة؟ أعندك طعام؟"فقام أبو عبيدة بتواضع العظام، وأخرج له كسيرات من خبز يابس.في تلك اللحظة، انهار حصن الصبر في قلب الفاروق، فبكى حتى خضبت دموعه لحيته، وقال بقلب منكسر:"غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة!
فالتفت إليه أمين الأمة، وابتسامة الرضا تملأ وجهه، ليرد بكلمات هي أثمن من مواساة، وأعمق من خطبة:"يا عمر، إنما هي أيام ونمضي.. يكفيك من الدنيا ما يبلغك المقيل".إنما هي أيام ونمضي.
يا له من يقين يزلزل ثوابت التعلق بالدنيا في قلوبنا!الحمد لله أنها دنيا وستنقضي. الحمد لله أنها ليست المستقر، ولا الدار، ولا الديار، وأن المأوى الأخير والراحة المطلقة إنما هي هناك، في جوار رب العالمين.
كل ما في هذه الحياة متعب، وكل من نلتقيه فيها يحمل تعبه الخاص في صدره، ولا يواسي هذا النصب إلا العبور الآمن، وعسانا في الجنة نأنس ويؤنس بنا، حيث لا فراق، ولا كبد، ولا حزن يمس القلوب.إذا ضاقت بك الأقدار اليوم، وظننت أن حِملك أثقل مما تطيق، فتنهد من أعماقك، وضع يدك على قلبك، وقل له برفق:"هون عليك.. فما هي إلا دنيا".
#منقول