إلى المسافاتِ التي اتسعتْ رغماً عن وعودي، وإلى الرّاحلِ الذي ظننتُهُ يوماً مَلاذاً. فؤادي الذي كان يَغصُّ بلوعتِهِ، أراهُ اليومَ يستردُّ عافيتَهُ من بينِ رُكامِ الحنين. أهذهِ هي هَيبةُ الصّحوة؟ أن تنظرَ إلى الجرحِ فلا تراهُ سِوى ندبةٍ علّمتكَ كيفَ تشتدّ؟
حتماً إنها ضريبةُ مَن عَزّتْ عليهِ نفسُهُ، فأنِفَ أن يلوذَ بأعتابِ مَن خَذلوه. مَلامحُ العابرينَ لم تعُد تُشبهُكَ، وحواراتُنا العتيقةُ التي كانتْ تملأُ ليلي بالسهادِ غدتْ مجرّدَ حبرٍ جَفَّ على ورقِ العُمر. لقد أرهقتني في السابِقِ كثرةُ الملاحظةِ وتَتبُّعِ الأثر، لكنني اليومَ أُغلقُ النوافذَ التي هبّتْ منها رياحُ جَفائِك. عقلي لم يعُد مَشغولاً بترتيلِ الحكايا الغابرة؛ لقد نفضتُ عن كاهلي غُبارَ الوَجد، ومَضيتُ حُرّاً.