Thikra_13

… في حينِها تَيقّنتُ أَنّني أَخافُ الاعتِياد 

Thikra_13

«ما من أغصان تبقى عاريةً بردًا حتى آخر الزمان…
          ما مِن أَحزان تبقى جارفةً دهرًا إلا ويُغيّبها النِّسيان…
          ما من ظلام يَبقى وُيغطّي الدّنيا  إلا ويبدّدُه النّور…»
          
          كلمات لطالما سمعتها العديد من المرات في طفولتي من سبيستون؛ لكنها اليوم تعود لتطنَّ في أذني بإلحاحٍ غريب…فأجدني أتساءل هل حقًا الزّمن كفيل بِكلّ ذلك؟!
          
          عذرًا أيها الغريب، لقد تجاوزتُ حدودي مجددًا دون رغبةٍ في ذلك؛ فبعد أيام سلبت فيها مشاغل الحياة وقتي وأفكاري، خاصةً حين تدفعك لعيشِها رغمًا عنك دون سؤالك… أعلم أنني استودعتك سابقًا لكنني استودعت حبيبًا، وأحادث الآن صاحب الظّل…ذلك الطّيف الذي لازمني لسنوات، وأوقفته منذ أيام 
          
          لقد فقدت سلامي في سبيل مسميّات العيش العديدة، ما بين يجب ويُجدر ولابد…وبين أريد وأرغب وأحيا 
          
          فلا سفني تسير كما أشتهي، ولا أنا بِقادرٍ على التكيُّف؛ فأمضي حائرًا..حامدًا، أنتظر علّ الأيام تمرّ سريعًا… 
          
          بعدما كنتَ طيفًا عدتَ غريبًا كما كنت…أتعلمُ أيّها الغريب؟ الحياة مرهِقة، فصدق ربّي سبحانه حين قال "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ"؛ لذلك أعلم ما معنى أن تسير في الحياة مُجبرًا وكل ما حولك ومن حولك لا يُساعد؛ فلا أنت قادر على تقبّل الحياة، ولا حتى التكيّف والتأقلم مع ما يَحدث، ولا حتى مجاراته…لذلك لا بد أن نتذكّر  بين كل لحظة وأُخرى أن الدّنيا دار ابتلاء
          
          فالصّعاب لا تمّر بك وحسب، بل تُجبرك على خوضها حتى تجد نفسك وسط متاهة لا تعلم لها بدايةً من نهاية…لطالما كررتَ عل مسامعي فكرة أن الإنسان بطبعهِ سيّىء،وبرغم علمي وإدراكي المسبق بِذلك، لكن صدّق أو لا …لا زلت أندهش، وتُصيبني قشعريرة مع كل قصة أراها وأسمعها 
          
          وأندهش أكثر…كيف يمكن لِلإنسان أن يزداد بشاعةً دون أن يكترث أن قذارته ستُرد إليهِ يومًا

Thikra_13

وتمر الأيام بين قَهر أمٍّ وبجاحة قاتل…بين عم وظلمه لِيتامى أّخيه…بين صاحب حقٍ متعسف وإهمالٍ يُنكر…بين عائلةٍ ليست بِعائلة…بين مريضٍ سارقٍ عديم الأمانة يتذرّعُ بمرضه، وأتساءل ويحه ألا يتّعظ؟!
            
            أعتقد أنك سمعت يومًا كما سمعت أنا، أن الحب الحقيقي يظهر في الوداع حيث جدران المستشفى وأروقة المطارات…لكن لا الوداع ولا الموت ولا المرض ولا حتى ذرف الدموع، يُجدي نفعًا مع هؤلاء البشر 
            
            تجده قاتلًا متبجحًا معتديًا ينتظر محاكمة عادلة…أي عدل يستحقه بعدما فعل ما فعل؟! …هل تُصدّق أنني بدأتُ أنفر من مهنتي …ومستقبلي… وعملي؟
            
            اعذر تخبّطي و اضطرابي وعدم وضوحي يا صاحِب الظّل، لكن عقلي يتساءل ويتساءل دون أن يسمح للإجابة أن تُقال؛ تارةً أتأمل في أروقة المحكمة فتجدني متعاطفًا مع أب فقد زوجته وابنه…وفي دقيقة يتيمة أجد ذلك الأب الذي سبق وأن تعاطفت معه يتعسف على حساب من فقد..!
            
            بعدما كان العدل حقًا أصبح حلمًا تأمل أن يُصيبك، حقًا يُرمى بين الأقدام، تراه كأوراقِ الخريف تأمل أن تعود في ربيعٍ ما
            
            لكن أتدري يا صاحب الظّل؟ أُجزُم 
            أنّ الحقوق لم تَعُد تُعطى…إن لم تسلِب حقّك لن تَحيا…وما يُطمئنني حقًا أن هناك ربًا عادلًا يعلم ما في البرّ والبحر؛ وإن أساءت محاكم الأرض وظلمت، فمحكمة السماء لا تُخطىء…
Reply

Thikra_13

-استودعتُك الله
          -وهل تَعنيها؟!
          -أعنيها، ولكن ليس كَما كنتُ أَقولها دائمًا، أَتمَنى أن تَكونَ بِخير…وأن تَبقى في وَدائعِ الله، ولكن دونَ أَن يكونَ لَنا لِقاءٌ آخر !…

Thikra_13

بَعْدَ عِدَّةِ شُهُورٍ دَقَّتِ السَّاعَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَ مَرَّةً أُخْرَى - وَرُبَّمَا لَا زِلْتُ أُمَثِّلُ مَكَانِي لَا أَدْرِي - وَتَسَاءَلْتُ أَكثَر: هَلِ الأَثَرُ شُعُورٌ يُمْكِنُ لَمْسُهُ أَمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ صَدًى إِحْسَاسٍ يَتَبَدَّلُ بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى؟
          
          وَفِي الحَقِيقَةِ أَنَا خَيْرُ مَنْ يَعْلَمُ بِذَلِكَ الوَقْعِ حِينَ تَنْهَشُ الأَسْئِلَةُ جَسَدَكَ، فَلَا أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى البَوْحِ بِهَا وَالتَّسَاؤُلِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مِنْ حَقِّكَ - وَلَا أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى الصَّمْتِ، فَتَتْرُكُهَا تَسْتَبِيحُ رُوحَكَ مَعَ كُلِّ شَكٍّ يَسْرِي فِي دَمِكَ
          
          أَخْبِرْنِي طَيْف، هَلْ كَانَ مَا فِي تِلْكَ الفَتَاةِ هُوَ مَا جَعَلَكَ تَسْتَقْصِي أَثَرًا؟ 
          هَلْ تُرَاقِبُ خَشْيَةَ الاِسْتِبْدَالِ أَمْ تَتَوَجَّسُ شَوْقًا وَحُبًّا؟ 
          أَيُّ الخِيَارَيْنِ أَنْتَ؟
          
          وَلَكِنْ سَوَاءٌ كُنْتَ هَذَا أَوْ ذَاكَ هِيَ لَمْ تَعُدْ تَأْبَهُ بِذَلِكَ،
          أَنْتَ مُذَبْذَبٌ
          وَهِيَ ثَابِتَةٌ،
          لَمْ تُدْرِكْ يَوْمًا كَمْ اِهْتِزَازُكَ يُؤْلِمُهَا… تَارَةً تَبْتَهِلُ فِي دَعْوَتِهَا… وَتَارَةً تُوصِدُ الأَبْوَابَ وَالنَّوَافِذَ خَشْيَةَ أَنْ تَلْمَحَهَا
          
          هَلْ هَذَا حُبًّا بِرَبِّكَ؟!
          
          لِقَاءُكُمَا لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً، كَانَ تَرْتِيبَ القَدَرِ لَكُمَا… حَتَّى تَسْتَرِدَّ هِيَ نَفْسَهَا… وَيَتِيهَ هُوَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ اصْطَفَاهَا وَطَنًا وَآثَرَ الغُرْبَةَ عَلَيْهَا
          
          وَإِنْ تَسَاءَلْتَ عَنْ جَوَابٍ فَهِيَ لَمْ تَكُنْ بِحَاجَةٍ لِخُلُودٍ وَلَا وُعُودٍ وَلَا طُمَأْنِينَةٍ - كَانَتْ وَجَدَتْهَا بِكَ ثُمَّ سَلَبْتَهَا إِيَّاهَا - كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ عَابِرٍ تَقَاطَعَتْ طُرُقُهُمَا فِي مَحَطَّةِ اِنْتِظَارٍ وَتَرْحَلُ وَحِيدَةً دُونَ أَنْ حَتَّى أَنْ تَعْلَمَ اِسْمَكَ - لَمْ تَكُنْ تَرْجُو حُبًّا كَانَتْ تَتَحَرَّى سَكِينَةً ضَائِعَةً فِي صَديقٍ قَدِيم -
          
          وَأَنَا الآنَ أَتَسَاءَلُ مَعَكَ؟ هَلْ تَبْخَسُ قِيمَةَ الأَشْيَاءِ لِأَنَّنَا نُوقِنُ بِعَوْدَتِهَا… أَمْ لِأَنَّهَا حِينَ عَادَتْ لَمْ نَمْلِكِ الشَّجَاعَةَ الكَافِيَةَ لِإِبْقَائِهَا؟
          
          • وَمِنَ العَجَائِبِ ظَالِمٌ يَتَظَلَّمُ •

Thikra_13

« عزيزي طيف:
          
          حال بلادي يؤلمني والعجز يتمكّن مني، كيف للإنسان أن يحيى وفي داخله كل هذا الألم؛ وكأنه يحمل أطنانًا من الهموم، يحملها دون أن يعلم حل لها او نهاية ...
          
          وكأن كل إنسان يحمل جزءًا من البلاد، فلا يستطيع تركه ولا يستطيع الصمود أمام ثقله ولكنه يرضى صامتًا ويحمد متيقنًا أن لهذا الحمل نهاية 
          
          ولكن لو سألت ذلك الانسان لبرهة هل اختار ذلك؟ جوابه سيكون حتمًا لا
          
          وشعور اليأس يمزقني يا طيف، فلا هذا العالم كان في جوهره عادلًا ولا ما ينقله الاعلام حقيقي فهو ليس إلا زيفًا وشعارات واهية، شعارات تلمع بالكثير ولكنها خالية من الحقيقة المطلقة؛ لذا دعني أسرق من وقتك دقائق أُخبرك بها كيف هي بلادي حقًا...
          
          في بلادي جريح يُودع شهيد، ويتيم يواسي ثكلى، وأسير يُعلّم حر، وشاعر يرثي حبه الخائن للتراب، وكاتب يُرهن قلمه للأرض... وشاب يُلوح لحلمه بيد مبتورة
          
          في بلادي قاموس استثنائي نادر، خالٍ من كلمات الطفولة والبراءة فالصبي يولد رجلًا، والفتاة تولد امرأة...قاموس يخلو من الأمان والحرية، في بلادي لا يوجد سوى الكبد والهم والعجز...بلاد لا تُدرك معنى اللقاء ف كل من فيها يعاني...من فقدان روحه، أحباؤه، اعضاؤه، حريته، حقوقه أو أحلامه ولهم الخيار فيما يسلبوك إياه
          
          ومع ذلك، فإنه قاموس رغم ما فيه...لا زال به معانٍ تفتقر إليها قواميس العالم أجمع
          
          كالشجاعة
          والمقاومة
          والصمود
          والعطف
          والامل
          والعراقة
          والصدق
          
          في بلادي الجميع متعلم وقادر، في بلادي الكل شاعر وكاتب ورسام وصحفي ومسعف، في بلادي الكل سياسي ومدني وعسكري، بلاد حيث أم الشهيد ليست إلا أمنا جميعًا…
          
          بلاد يختزن قاموسها كل ما هو معلوم، لكنه نادر، فلا تجده إلا فيها، بلاد قد أثقلها الخوف، لكنّها حملت على أكتافها معنى البقاء... بلاد لا تملك إلا جراحها وأبناءها لكنها تسقي بهم أشجار الحرية...بلادٌ قد يسرقون منها كل شيء حتى شعورها بالحزن، إلا أنها تظل تمنح العالم فرصة لطلب الصفح ....»