Thv_sa222
ليلٌ غارقٌ في وحشته
كأنّ السكون اتّخذ من الجدران كهفًا ومن الأنفاس صدى. سماء خلف الزجاج تنزف رمادًا، ضوء في الممرّات يختنق كشمعةٍ تُصارع رياح الخوف. الروحُ مثقوبةٌ من كلّ صوب، والعينُ تقاوم انكسارها كما يقاوم الغريقُ ارتطامَ الموج الأخير.
ثمّة قلبٌ متعب، متشبّثٌ بظلّ أمٍّ تتناوب عليها الأجهزة والرجاء، ينبضُ متقطّعًا كصوتِ دعاءٍ يتهدّل في صدرٍ خائف.
حيثما العتمة، يجيء الحنينُ بوجهٍ واحدٍ لا يتبدّل؛ وجهٌ كان يرمّم الخراب بابتسامة، ويمسحُ الدمع كما لو أنّ العالمَ وُجد من أجل عينيه.
كم رغبتُ أن يكونَ الحضورُ حضورَها ! أن تمتدَّ يدُها على وجهي حتى تتناسلُ الفوضى في صدري. كم تمنّيتُ أن يكون هذا الليلُ ضوءًا من عينيها، لا بردًا من غيابها.
كلمةٌ صغيرةٌ من غيرها سالتْ على جرحٍ قديمٍ فاشتعل، سؤالٌ بسيطٌ عن الجوعِ أيقظَ مجاعةَ القلبِ لها، فتهاوى الصبرُ في صدري، وبكيتُ كما تبكي الذاكرة حين تُفتح فجأةً على عطرٍ قديم. يا لخذلانِ الأسماء حين تأتي من غير ملامحها، ويا لثِقَلِ الفراغ حين يتقمّص شكلَ الأمان. تُهدهدني صورةٌ منها كانت تُشبه الدفء، حين كانت تذكّرني بالطعامِ لأني أنسى نفسي، كانت تُطعمني الحياة، واليومَ لا يطعمني سوى وجعِ السؤال.
كيف يغدو الحنانُ غيابًا؟ كيف يتحوّلُ منبهُ الاهتمامِ إلى ساعةٍ تنذرُ بالوحدة؟
في هذا الليل، كلّ الأصوات تشبهها إلا صوتها، كلّ يدٍ تمتدّ لتواسيني ترتدّ فارغة، لأنّها ليست يدَها.
والقلبُ، هذا الكائنُ المسكين، لا يزال يقفُ عند عتبةِ الغياب، يطرقُ الأبوابَ القديمة بأطرافِ الحنين، علّه يسمعُ من خلفها همسًا يُشبهها، أو بقايا دفءٍ نجا من الزمن.
لكن لا شيء.
غيرُ بردٍ يهبُّ من الذاكرة، أمٍّ تنامُ على حدّ الخطر، وفتاةٍ تبكي لأنّ مَن كان يُنقذها من نفسها، صارَ غائبًا على روحها، كما لو أنّ الحنانَ لم يكن يومًا إلا حلمًا يفيقُ على بكاء.