Thv_sa222
غيزُ بردٍ يهبّ من الذاكرة حين يسكت كل شيء، حين تخلو الممرات من الضجيج ويبقى ما لا يُسكَت، شيءٌ فيّ لا يُحصى ولا يُسمَّى يتنفس بين الأضلاع تنفسَ ما لا يريد البقاء ولا يُطيق الرحيل، نسخةٌ زمنٍ مضى تسكن العظم فلا تبلغها الأيام ولا تمحوها الأعوام، تتواصل مع الروح توصلًا لا يُرى ولا يُلمس لكنه يُثقل الخطوة ويُميل الكتف دون أن يعرف أحدٌ من أين يأتي هذا الثقل،
بقايا دفءٍ كان حقيقيًا في لحظةٍ ما تحوّل إلى جمرٍ دفين لا
يُضيء غرفةً ولا يدفئ يدًا لكنه يأكل الهواء في صمتٍ
ويترك الصدر ضيّقًا بما لا يُفسر،
الروح التي تبدّلت حين تبدّلت الأرض تحتها وأُعيد نحتها بأزميلٍ لم تختره وجدت نفسها في فراغٍ لا يسعه الصدر ولا يُضيئه أحد،
فراغٌ يطرق جدرانه من لا يعرف أن الطرق لن يُجيب، لأن من كان يُجيب يحتفظ بكل طرقةٍ سابقة دليلًا في ملفٍ لم يُغلق، يزن الجرح بميزان الذنب ولا يرى أن الجرح نفسه تغيّر، أن الروح التي أخطأت لم تعد هي الروح التي تقف الآن في هذا الفراغ تحاول أن تتنفس، أن الحزن الذي أعاد تشكيل كل شيء من الداخل لا يستأذن ولا يُفسّر ولا يعرف كيف يُقنع أحدًا بأنه حقيقي، وأن القلب الذي يرفض كل دفءٍ آخر ويبقى معلقًا بخيطٍ لا يُرى بين ما كان وما لن يكون، ليس عنادًا ولا اختيارًا، بل هو الشيء الوحيد الذي لم يتبدّل حين تبدّل كل شيء، الشيء الوحيد الذي بقي على شكله القديم وسط كل هذا الهدم، كجدارٍ وحيدٍ من بيتٍ أُكل بالنار، لا يحمي شيئًا ولا يسقط، وفي أعمق ما فيه شيءٌ يعرف أنه لا يستحق هذا البقاء، أن هذا الدفء الذي يتشبث به ليس إلا ضعفًا سمّاه القلب حنينًا كي لا يخجل منه، وأن التمني نفسه جريمةٌ ترتكبها الروح بحق نفسها في سكوتٍ تام، تعاقب نفسها على كل نبضةٍ تخرج دون إذن، على كل لحظةٍ تشتاق فيها إلى ما سيحرقه لو اقترب، ومع ذلك يشتاق، ومع ذلك لا يبقى، لا لأنه يأمل بل لأنه لا يعرف كيف يكون شيئًا آخر.