إلى تلك اللحظةِ الصغيرةِ التي لم أُدرك يومها
أنّها ستكبر في قلبي كلَّ هذا الاتّساع.
حين نطقتَ به…
تغيّر شيءٌ في داخلي،
كأنّ الاسمَ لم يكن مجرّد حروف،
بل مفتاحًا فتح أبوابًا لم أعرفها في نفسي.
ما زلتُ أسمعهُ كما كان،
بنبرتهِ الأولى،
بنفسِ الدهشةِ التي تسلّلت إليّ دون استئذان،
وكأنّ الزمنَ توقّف هناك…
واكتفى أن يتركني معلّقةً في صداه.
ليتني أعودُ…
لا لأغيّر شيئًا،
بل لأبقى أكثر في تلك اللحظة،
أُصغي إليهِ مرّةً أخرى،
وأفهم كيف استطاع اسمٌ واحد
أن يُشبهك إلى هذا الحدّ.
أحببتُ هذا الضياعَ الذي يحملُ ملامحك،
وكأنّ كلَّ منعطفٍ فيه يقودُني إليك،
حتى وإن ادّعى البُعد.
لم أعد أبحثُ عن نهايةٍ واضحة،
ولا عن يقينٍ يُطمئنني،
يكفيني أن أسيرَ وفي قلبي أثرُك،
كأنّك البوصلةُ التي لا تُرى،
لكنها لا تخطئ.
أتعثرُ… نعم،
وأتأخرُ… وربما أضيع أكثر،
لكنني في كل مرةٍ أكتشف
أن الطريقَ الذي اخترته
كان يحملُ اسمك منذ البداية.
فإن كان الضياعُ بكَ،
فمرحبًا به،
وإن كانت الحيرةُ تقودُني إليك،
فلن أطلبَ النجاة.
ربما هناك
لن تكون المسافاتُ أقسى من رغبتي،
ولا الزمنُ أسرعَ من قلبي،
وسنلتقي دون خوفٍ من النهاية.
في تلك الحياة
لن أُخبّئك في خيالي،
ولن أراكَ صدفةً عابرة،
بل حقيقةً أعيشها بكل ما فيّ.
سأقتربُ منك كما ينبغي،
بلا تردّدٍ، بلا تراجع،
وأخبرك كم مرّةً عبرتَني
كفكرةٍ لا تغيب،
وكم عشتُكَ حلمًا
أكثر مما عشتُ واقعي.
وإن لم تكن تلك الحياةُ موجودة،
فسأظلُّ هنا…
أحضنك في دعائي،
وأضمّك في صمتي،
وأحبّك كما لو أنّ البعد
مجرّدُ تفصيلٍ لا يُغيّر شيئًا.
عيناكِ الناعستانِ فتنتاني،
وأغرقتاني في سكونٍ يشبه الحلم،
فلم أعد أميّزُ بين يقظتي وغيابي،
ولا بين قلبي حين يهدأُ أو حين يضطرب.
تسلّلتِ إليّ بلا استئذان،كهمسٍ خافتٍ في ليلٍ طويل، فاستوطنتِ روحي،وجعلتِ من نبضي طريقًا إليكِ لا ينتهي.
كلما حاولتُ أن أبتعد، شدّتني إليكِ نظرةٌ منكِ
كأنها وعدٌ لا يُقال، وسرٌّ لا يُفهم، لكن القلبَ يصدّقه دون سؤال.
فما عدتُ أعرفُ كيف النجاة،
ولا كيف يُنسى هذا الجمال،
وقد صرتُ كلما أغلقتُ عينيّ
أراكِ… أكثر وضوحًا من الحقيقة.
أُغمِضُ عيني… وكلُّ ما أراهُ هو أنت،
كأنّ الظلامَ لا يُنبتُ سوى ملامحك،
وكأنّ الليلَ خُلقَ ليُعيدَ رسمك في داخلي.
أراك لا كصورةٍ عابرة،
بل كيقينٍ يسكنني،
كأنّك الحلمُ الذي تعلّم كيف يبقى
حتى بعد أن أصحو.
أُغمِضُ أكثر…
فيقتربُ حضورك،
وتصيرُ المسافةُ بيني وبينك
مجرّد وهمٍ لا يُرى.
فإن فتحتُ عيني…
تبعثر كلُّ شيء،
وأدركتُ أن الواقعَ أفقرُ بكثير
مما تمنحني إيّاه غفوةٌ قصيرة.
فدعني أُغمِضها قليلًا،
لا هربًا من العالم،
بل اقترابًا منك،
حيث لا شيء يفصلنا
إلا يقظةٌ لا أريدها.