_Tibr9_
تقسو الحياة حينًا، لا على مَهل، بل بإندفاعٍ أعمى، فتحطم فينا ما ظنناه ثابتا: آمالًا، أحلامًا، وتوقًا خفيًّا لما ظننا حقًّ مُكتَسَبا.
الحياةُ في جَوهرِها .. فِنجانُ قَهوة.
إن أضفتَ السّكر، لانت حِدّتها، وإن تَركتَها عاديةً مِنَ الزّينة، شربتها كما هي، حتى يَعتاد اللسانُ مذاقها، ويغدو ما كان قاسيًا مألوفًا، وما كان مؤلمًا جزءًا من الطبع..طبعِك.
وهكذا الوجود: أشخاص، أماكن، عادات، ذكريات ... إما أن تُحلّيه أو تُثقِلُه.
ومع ذلك، قد تكون المرارة أحيانًا أصدقَ من الحلاوة.
نعتادها، نُحبُّها، ننتشي بها رغم حدّتِها؛ لأننا تَكيفنا، قاوَمنا، وصبرنا .. حتى صارَ الصّبرُ طبعًا، والمُقاومَةُ هويّة.
وقد تخوننا الحلاوة أيضًا، لا لِفسادها؛ بل لأننا ألِفنا المُرّ، فصارَ الذوقُ مُنحازًا لمّا اعتادَ الألَم.
والقهوة..، مهما بلَغَ صَفاؤُها، لا تُحتَمَل إن شُرِبَت مع النّفوسِ الخطأ، أولئك الّذين يُلوّثون اللحظة، ويُسمّمونَ المَعنى، فَيُفسُدونَ ألذ ما في الحياة .
الحياةُ مُرّة حينًا، حلوة حينًا، وقد تكونُ حلوة في الحالين، أو في أيٍّ منهُما لا تُحتَمل، بحسب وعي الإنسانِ وقُبولِه.
حتى رائحةُ القَهوة، لا يتّفِق النّاس عليها، فالأذواقُ… مِرآةُ الجواهِر.
القَهوَةُ بُن.
يُحمّص، يُسحق، يُغلى، يُقسى عليه.. ثُمّ يُمنحُ لحظةَ التّجَلي.
ونحنُ كذلك..
تطحَنُنا الأيام أحيانًا، وتـحمّصنا التجارب، وتغلي أرواحنا تَحت وطأةِ ما لا نفهمه، ثم، في لحظةٍ لا نَتَوقعها، نكتشِف أن كل ما مرَرنا بهِ قد ترَكَ فينا مَذاقًا لا يُشبِه سِوانا.
أرى الحياةَ هَـٰكذا..
فِنجانٌ يُشرَب حتى آخِرِه، ثُم ينتهي.
طَعمٌ يَزول، ورائحةٌ تتلاشى.
ودفءٌ كان يملأ الكفّين ثم لا يبقى منه إلا أثر.
وقد يُقرأ هذا الفِنجان، وقد تصعُب قراءته.
فبَعض الأَقدار واضِحة كقاعِ الكوب، وبعضُها تَترك في قاعِ الرّوحِ رواسِبَ لا نَفهم مَعناها إلّا بَعد زَمَن.
أن نذوقَها بوعي.
أن نَعرف متى نُضيفُ السّكر، ومَتى نتَقبّل المَرارَة، ومَتى نَضع الفِنجان جانبًا ونقول: هذا المَذاق لم يعد يُناسِبني.
لأن الفِنجان، في النّهاية، لَن يبقى.
وسيأتي يوم لا تعود فيه القهوة مرّة ولا حلوة.
يوم لا يبقى فيه من الفِنجانِ إلّا ذِكرى اليدِ التي حَملته، والشّفاه التي لامَسته، واللّحظة التي ظننّا أنها ستَطول…
ثم مَضت.
ريم الحريري.