من الخطأ المتعارف عليه تقسيم الناس إلى طيبين وأشرار، أغبياء وأذكياء، إن الإنسان في جريان مستمر، ويحمل في ذاته جميع الامكانات، قد يكون غبياً ويصبح ذكياً، أو يكون شريراً ويغدو طيباً، والعكس بالعكس، وهنا تكمن عظمة الإنسان .
يضيقُ عليّ أن أشرحَ تعبي من الطريقِ، ويأسي من الأحلامِ، وخوفي من المحاولةِ.
كيف أشرحُ أنَّ العمرَ يمرُّ ولا أمتلكُ شيئًا واحدًا أتَّكئ عليه، وأنَّ شبابي يذبلُ أمام القلقِ من المجهولِ، وأنَّ الأصدقاءَ يتغيَّرون، وأنَّ الأحِبَّة يغادرون!
كيف أقولُ أنَّه لم يتبقَّ لي مني إلا قلبٌ مُرتجِفٌ، ويدٌ مُرتبِكةٌ، وعينان تحاولان الهربَ من رؤيةِ العالمِ المؤلمِ!
محضُ البوحِ يؤلمُني كما يفعلُ العالمُ معي.
سأل أحدهم (جبران خليل جبران) : ما هو أكثر شيء مدهش في البشر ؟
فأجاب :
" البشر يملون من الطفولة ، يسارعون ليكبروا ، ثم يتوقون إلى أن يعودوا أطفالاً ثانيةً ، يضيّعون صحتهم ليجمعوا المال ، ثم يصرفونه ليستعيدوا الصحة .. يفكرون بالمستقبل بقلق ، وينسون الحاضر ، فلا يعيشون الحاضر ولا المستقبل يعيشون كما لو أنهم لن يموتوا أبداً ، ويموتون كما لو أنهم لم يعيشوا أبداً .. "
أشارك أحمد خالد توفيق شعوره حين قال:
لن يفهموك، فأنت تتحدث عن أمرٍ قطعت
فيه آلاف الأميال تفكيرًا ولم يمشوا فيه
خطوة واحدة، لن يشعروا بك، فأنت تشرح
شعورا جال في قلبك كلّ ليلة ملايين
المرّات ولم يطرق قلبهم ليلة.
"سأخبرك شيئًا، نحن لا نموت حقًا عندما تتوقف قلوبنا عن الخفقان، بل نموت على جرعات، نموت كلّما خذلنا أحدهم، كلّما انطفأت أمنية، كلّما رحل صديق، كلّما فشلنا في أن نجد من يفهمنا... نموت كلّ يوم قليلًا، حتى نصبح في النهاية أشباحًا تمشي على الأرض. أرأيت ذلك الوجه الذي يبتسم في المرآة؟ هو وجهك، لكنه لم يعد أنت. لقد صارت حياتك سلسلة من التنازلات، من الوجوه المرهقة، من الأحلام المؤجلة التي لن تأتي. وفي النهاية، لا يتبقى شيء، فقط ذكريات باردة تُطاردك، ونوم ثقيل بلا أحلام... كأنك وُجدت كي تُستهلك وتذوب، ثم تُنسى."