لماذا يقطف البشر الورود؟
فتحت المصابيح وأنيرت الدفيئة بضوء خافت ورحل الرجل بعد تلقي التعليمات، ليترك المرأة التي تجولت في المكان بخطوات بطيئة مُتمهلة. تدفقت حركاتها البطيئة بسلاسة في طريق ممهد يحفه من الجانبين رصيفان تنبت منهما شتى أنواع الزهور بشتى الألوان الزاهية، تدلت أصائص الزهور أيضًا من دعائم السقف ليخلق هذا الترتيب صورة زاهية مُبهرة لا تقل سحرًا أو جمالاً عن الحديقة في الخارج. في نهاية الدفيئة كان هناك باب آخر وامامه طاولة يحاوطها أربعة كراسي. تأملت أنيسة المكان الجميل وعلى وجهها ابتسامة فخر خفيفة تحولت فجأة إلى ابتسامة مريرة وهي تستوعب احدى الحقائق المرة:
- 'ألن يكون هذا المكان أكثر جمالاً لو كنت هنا؟'.
لم تجد المرأة إجابة على السؤال الذي سئل فقط داخل عقلها. كانت تخطو خطوات بطيئة، ومع كل خطوة تجلب سيلاً من الذكريات الجارفة تعذبها وتلح على قلبها الضعيف المشتاق. اتجهت إلى حيث تنبت أزهار التوليب الحمراء، وانحنت تتأملهم بافتنان وتتحسسهم برفق، ثم مدت يدها مُلتقطة شيء ما قريب، كان مقصاً لقطع الورود. استخدمت أنيسة المقص بحرفية وهي تفصل الورود عن مصدر حياتها، كانت صوت قطع سوق الورود يذكرها بذلك اليوم الذي لم تنسه أبداً، اليوم الذي لطالما أملت أن يكون ليس إلا حلم نابع من مخاوفها، ربما لما لا؟، ربما يكون حلماً ونحن لا ندري، فهل الحالم في حلمه قد يتوقع لوهلة أنه مجرد حلم أو وهم؟ استفاقت المرأة الحالمة على صوت المقص الذي اخرجها بقسوة من أملها، فتأملته، هذا المقص الذي لا يرحم كان يقطع الزهور بكل بساطة ودون مقاومة فعليه، جعلها تشفق على تلك الأزهار الحمراء الجميلة وهي تفقد حياتها بقسوة.
- "لماذا يقطف البشر الورود؟".
نظرت إليه الشابة بحيرة وعلى رأسها قبعة صيفية صفراء كبيرة تحميها من أشعة الشمس الحارقة وقالت:
- "الورود خلقت لنهديها لبعضنا البعض ونزين بها منازلنا، لذلك نقطفها".
تأمل الرجل الشابة الجميلة التي ترتدي فستاناً دون أكمام:
- "بل خلقت لتظل في مكانها كما هي جميلة وزاهية، نمتع نظرنا بها فقط وليس لنشوه تلك الصورة البديعة".
ردت الشابة بحيرة:
- "ولكنها تعود وتنمو مرةً أخرى".
سألها:
- "وماذا لو لم تنبت مرة أخرى، نكون قد قضينا بنفسنا على هذا الجمال".
تعالو نسترجع مشاهد من الرواية:
"ومن قال إن أدبنا وتاريخنا الشرقي لا يجاري الأدب العالمي في جودته؟ بل إنه الأفضل."
نظرت أميرة إلى سالي بحيرة وقالت:
"هذا معروف دائمًا. هل قرأتِ لشكسبير؟ دوستويفسكي؟ كافكا؟ جورج أورويل؟ لم أسمع يومًا عن أديب عربي نافس هؤلاء!"
ذهلت سالي من معرفة الفتاة الواسعة بهؤلاء الأدباء. للحظة، عجزت عن الرد، لا لأن كلام أميرة كان صحيحًا، بل لأن نبرة الثقة في صوتها أربكتها.
نظرت الطفلة إليها بابتسامة المنتصر، لكن سالي استجمعت أفكارها وقالت:
"قرأت لهم بالفعل، واستمتعت بأعمالهم، لكنهم لا يمثلونني كسالي. هؤلاء أدباء أوروبيون، يمثلون أجيالهم وثقافتهم وهويتهم الخاصة. أما أدباؤنا نحن، فلم تسمعي عنهم ببساطة لأنك لا تهتمين بهم."
سألتها أميرة، وعيناها تلمعان بفضول حقيقي:
"وما الذي يمثلك أنت؟"
نظرت سالي إلى كتاب النظرات وقالت:
"يمثلني كمصرية. المنفلوطي، طه حسين، العقاد، الطهطاوي، إحسان عبد القدوس، نجيب محفوظ، مصطفى محمود، وغيرهم من الأدباء والشعراء والمثقفين. الأدب الفرعوني مثلاً، لو تفقدتِه، ستجدين أروع القصص والترانيم فيه، والأدب العربي شعرًا ونثرًا... أنا يمثلني أدبي وتاريخي، بكل آرائه، سواء اتفقتُ معها أو اختلفت."
ثم تابعت بصوت ثابت ونبرة هادئة فيها شيء من الشغف:
"أنتِ، بانحيازك لثقافة أخرى، ترفضين وتُقللين من شأن ثقافتك وتراثك. نحن من علّم العالم بأسره، نحن من سبق في الفلسفة والرياضيات، وعلوم الفلك والطب، بدءًا من حضارتنا الفرعونية، مرورًا بحضارة بلاد الرافدين. من تتحدثين عنهم هم نتاج تعليمنا، نحن من طوّر المعرفة العلمية ونقلها إلى العالم، وهم استغلوها جيدًا، أما نحن، أصحاب المصدر، فلم نُدرك قيمتنا. هذا فقط الفرق بيننا."
ثم أكملت وقد تلألأ في عينيها شيء من الفخر:
"نحن مجموع حضارات عظيمة، لم ولن يأتي مثلها أبدًا. وعلينا أن نفخر بها، بل ونُحييها ونُطوّرها. لا أن نتنصل منها حتى تخمد وتُنسى، فيُنسب فضلها لغيرنا، أو تُسرق من لصوص التاريخ كما يحدث مع هويتنا المصرية القديمة."
كانت أميرة تُصغي إليها بتعبير حيادي لم تستطع سالي تفسيره، وبدا أن الكلمات أثقلت أذني الطفلة التي ربما لم تكن مستعدة لاستيعاب كل ذلك. شعرت سالي بذلك، فوضعت الشال حول كتفيها وقالت بلطف:
"هل نذهب؟ لقد تأخرنا عليهم."
موعدنا إن شاء الله النهارده 5:00 مساء مع آخر فصول الرواية والخاتمة. بشكركم جدا على صبركم وانتظاركم لكل فصل جديد. نتقابل ان شاءالله النهارده في موعدنا❤️
اعزائي القراء، كل سنة وأنتم طيبين، عيد أضحى سعيد عليكم جميعًا، يا رب تكونوا كويسين.
عارفة أن الفصل تأخر عليكم لكن الفترة اللي فاتت بمناسبة تحضيرات العيد كان الوقت عندي ضيق جداً، شغلي، والكتابة، وصناعة المحتوى كمان وقتهم كان مضغوط أوي الفترة دي.
وبالنسبة للرواية، فالخطة ان المتبقي منها فصول قليلة، وهي ختام القصة وهنا بتيجي المسؤولية زيادة قوي، لأني مطالبة إني أقدم نهاية كويسة ومناسبة، وأنا عندي تخوف أقدمها بشكل مش كويس.
طول الوقت عقلي مشغول في شكل النهاية، وده للأسف بياخد مني وقت كثير جداً.
الفصل الجديد جاري العمل عليه، وخلصان بنسبة 70% وهنزله أول ما اخلصه على طول، يعني لو خلص النهارده هينزل النهارده لو خلص بكرة هينزل بكرة.
شكراً جداً على صبركم، وكل سنة وانتوا طيبين ❤️