أشعرُ باشمئزازٍ عميقٍ من نفسي كلّما أفصحتُ لأحدٍ عن أوجاعي
إذ يتسرّب إليّ شعورٌ مُهين بأنني أبدو مثيرًا للشفقة، وكأنّ البوحَ ذاتهُ انتقاصٌ خفيٌّ من كرامتي
ولعلّ أكثر ما يثقل صدري تلك القناعة الراسخة بأنّ الشكوى لغير الله مذلّة، وأنّ الأرواح حين تُفرِط في كشف انكساراتها للبشر تعود محمّلةً بخيبةٍ أشدّ قسوةً من الوجع نفسه
من أبلغ علامات النضج -وإن لم يُصفّق لها أحد-
أن تمتلك الجرأة الكافية لتصفية حياتك من هذا الضباب، من كل ما يتقن لعبة التذبذب ويتغذّى على حيرتك، ويُقنعك أن الانتظار فضيلة بينما هو في الحقيقة مجرّد استنزافٍ مُقنّع
أن تكفّ عن تقديس الإرباك، وعن تمجيد العلاقات والأفكار التي لا تعرف لها اسمًا ولا ملامح
وتُدرك متأخرًا قليلًا كعادتنا أن الغموض ليس عمقًا بل غالبًا عجزٌ مُزيَّن ببلاغة رخيصة
ثم، وبشيء من القسوة التي يسمّونها نضجًا، تلتفت أخيرًا لما هو واضح حدّ الإحراج
لما لا يحتاج أن يُفسَّر كل يوم،
لما يضيف إلى حياتك بدل أن يختبر قدرتك على التحمّل
فالحسم، رغم قسوته على الأقل صادق
أما التردّد… فذلك الكائن اللزج، لا يقتلك دفعة واحدة بل يصرّ على أن يُبقيك حيًّا بما يكفي لتتعذّب أكثر
في منطقةٍ لا تعترف بك أصلًا ..