elianaa22
كان الليلُ قد فرغ من ضجيج المدينة، وأخذ يجمع ما تبقّى من الأرواح المتعبة تحت عباءته السوداء. أما هو، فلم يكن الليلُ بالنسبة إليه وقتًا للنوم، بل موعدًا يوميًّا مع الغياب.
جلس إلى النافذة، وقد تركها نصف مفتوحة، كأنّه يمنح الريح حقَّ الدخول، علّها تأتيه بشيءٍ من رائحتها. فبعضُ الغائبين لا يُطرقون الأبواب، بل يعبرون القلب على هيئة نسمة.
حدّق في السماء طويلًا، ثم ابتسم ابتسامةً يعرفها الحزن وحده؛ تلك التي لا تُرى إلا إذا انكسر الضوء على العين.
كان يظنّ أن الزمن نهرٌ، فإذا به صحراء. وأن الأيام تمضي، فإذا بها تدور حول الاسم نفسه، كالفراشات التي أدمنت الاحتراق حول قنديلٍ واحد.
مرّت أصابعه فوق حافة الفنجان البارد، وهمس، وكأنّه يخاطب الغياب لا أحدًا سواه:
“أما زلتِ تجهلين؟ لقد علَّمتِ قلبي أن ينتظركِ، ثم رحلتِ، وتركتِه وفيًّا لوعدٍ لم يُقال.”
فسقط الصمت بين الكلمات سقوطَ ورقةٍ في بئرٍ عميقة.
وللمرة الألف، شعر أن الشوق ليس ألمًا كما يظن الناس، بل وطنٌ يُنفى منه صاحبه كلَّ صباح، ثم يعود إليه كلَّ مساء، ليكتشف أنه ما زال غريبًا فيه.
رفع رأسه إلى القمر، ولم يسأله عنها؛ فالسماء، مثل القلوب، تُجيد الاحتفاظ بالأسرار أكثر مما تُجيد الإجابة
(( تسريب من الرواية جزء بسيط عن احد الاجزاء القادمة وصدمة ))