hamuode_88

ذاتَ يومٍ، طفلاً ركضتُ إلى البقالْ
          	واليومَ ما زلتُ ألهثُ من طولِ الترحالْ
          	
          	ظننتُ السباقَ ينتهي عند بابٍ صغيرْ
          	فإذا العمرُ يمضي… وأنا خلفهُ أحتالْ
          	
          	سنونٌ مرَتْ، ولم أشعرْ بخطوِها
          	كأنّي أعدو… ولا أبلغُ الآمالْ

hamuode_88

ذاتَ يومٍ، طفلاً ركضتُ إلى البقالْ
          واليومَ ما زلتُ ألهثُ من طولِ الترحالْ
          
          ظننتُ السباقَ ينتهي عند بابٍ صغيرْ
          فإذا العمرُ يمضي… وأنا خلفهُ أحتالْ
          
          سنونٌ مرَتْ، ولم أشعرْ بخطوِها
          كأنّي أعدو… ولا أبلغُ الآمالْ

hamuode_88

أجلس إلى الطاولة وحدي، كأنني آخر من بقي من ضجيج هذا المساء.
          أنتظر فنجان قهوةٍ طال به الطريق إليّ، حتى خُيّل إليّ أن الدقيقة صارت دهرًا، وأن النصف الذي تلاها كان أشدَّ وطأةً من العمر كله.
          
          أنظر إلى سيجارتي الراقدة على المنفضة، يتصاعد دخانها ويمتزج بأنفاس المكان، كأنها روحٌ تائهة تبحث عن جسدها، أو كلمةٌ خرجت من فمٍ نادم ولم تجد أذنًا تسمعها.
          وكأنها تهمس لي: أما آن لك أن تحملني، فتحرقني كما أحرقتك الذكريات؟ أما آن للنار أن تلتهم نارًا مثلها؟
          
          وفي يدي جوالٌ أفتش فيه عن رسالةٍ طال صمتها، كأن الحروف هجرت أصحابها، أو أن الطرق بين القلوب أغلقت أبوابها قبل أن أصل.
          
          فأين أنا من هذا المكان؟
          وأين الرسالة من هذا الوقت؟
          وأين الوقت من قلبٍ توقف عند باب الانتظار؟
          
          إن الإنسان لا يضيع حين يفقد الطريق، بل حين يجلس بين الأشياء كلها، ولا يجد نفسه في شيءٍ منها.
          وأنا هنا، بين طاولةٍ وقهوةٍ بطيئة، ودخانٍ يتلاشى، ورسالةٍ لا تأتي، أتعلم كيف يكون الغياب حاضرًا أكثر من الحضور.

hamuode_88

كلمةٌ أولى أضعها في صدر السطر،
          ثم أضيع بعدها، كأن البدايات متاهةٌ من كلام.
          
          أبحث عني بين الحروف،
          فلا أجدني،
          ولا أجد الكلمات التي كانت تعرف الطريق إليّ.
          
          رحيلٌ يتلوه رحيل،
          وحزنٌ عميقٌ يجرّ خلفه ظلاله الثقيلة،
          وألمٌ يصافح ألماً،
          وأنا وحدي هنا،
          أحصي ما تبقّى من الصبر.
          
          أسأل: أين أنا؟
          فيرتد السؤال إلى صدري
          ولا جواب.
          
          غريبٌ في ذهني،
          غريبٌ في بيتي،
          غريبٌ في دياري،
          وغريبٌ بين ناسي.
          
          أسأل عن الذكرى: أين مكانها؟
          أسأل عن صاحبها: أين مضى؟
          أسأل عن الأثر الذي كان هنا،
          ولا أجد جواباً يروي ظمأ السؤال.
          
          فأين أكتب كلماتي؟
          وعلى أي جدار أعلّق وجعي؟
          ومن يقرأ هذا الصمت المزدحم بي؟
          ومن يفهم لغة الحزن حين يتكلم؟
          
          لا جواب لسؤالي،
          ولا مكان لي،
          ولا مأوى لكلماتي.

hamuode_88

تفاصيل صغيرة أعيشها،
          ربما… أو بكل تأكيد لا تعني أحدًا!
          
          فنجان قهوة…
          أغنية قديمة…
          أُغلِف أغراضي…
          في كل شيء أفعله…
          
          هناك دمعة تنهمر في القرب مني،
          وهناك صوت يتكرر في أذني…
          أحقًا سوف ترحل…؟
          تتكرر هذه الكلمات في مسمعي…
          
          وأنا هنا أشرب قهوتي وأبحث عن نفسي!
          أين أنا من كل هذا؟

hamuode_88

طريقٌ يسلكه قلبي قبل خطاي،
          لا أعرف له وجهة، غير أنني وصلت حيث يجب.
          تلاقت عيناي بعيني طفلٍ صغير،
          ملامحه تشبهه حدّ الوجع.
          قبّلته وأمسكت يده، أبحث في أنفاسه عن رائحةٍ غابت منذ زمن،
          فأين الذكرى… وأين صاحبها؟

hamuode_88

برعم صغير ، تتلوها زهرة جميلة ، لتصبح حبة خضراء جميلة ،
          تتدلة على أغصان شجرة خضراء ،
          يميل الغصن بحملها وثقلها ،
          
          أنها اللوزي ،
          حبة خضراء امسكها بيدي ل اراها ماضي جميل وذكريات لا حصر لها .
          
          في كل مرحلة من نموها هناك خيال واسع جميل 
          أين انا من هذا ؟ وأين هذا من الذكرى ؟

hamuode_88

أين ترى نفسك بعد عشر سنوات؟
          
          أنا؟
          
          لا أرى سوى ظلامٍ يمتد…
          ولا أسمع إلا صدى أفكاري المتعبة.
          لا أحلام تُذكر،
          ولا خطط تُرسم،
          فقط واقعٌ يتآكل ببطء.
          كيف أتحدث عن المستقبل
          وأنا بالكاد أرى الحاضر؟
          سوادٌ في سواد…
          ولا نهاية تلوح في الأفق.

hamuode_88

يا من حسبتُكِ غيمةً ستفيض على أرضي اليابسة
          
          كنتُ أرقبكِ كما يرقب العطشان أولَ انبثاقٍ للمطر، وأمدُّ إليكِ روحي كما تمتدُّ الجذور في جوف التراب طلبًا للحياة. ظننتكِ سحابةً رحيمة، تحمل في أحشائها نبعًا خفيًّا يروي ظمئي، ويغسل عني غبار الأيام، ويُلملم شتات جروحي.
          
          لكنّكِ ما كنتِ إلا ريحًا عابرة، مرّت على حقولي فلم تُنبت فيها إلا مزيدًا من القحط، ولا حفرت في تربتي إلا أخاديد الغدر. كلُّ قطرةٍ انتظرتُها منكِ، كانت سهمًا، وكلُّ ظلٍّ احتميتُ به تحتكِ، كان وهمًا يتبدّد مع أول عاصفة.
          
          لقد عصفتِ بي، كما تعصف الرياحُ بورقةٍ وحيدة، تقلبينني بين يمينٍ ويسار، حتى أضعتُ جهتي، وحتى جفّ حبر أيامي، وانطفأت الكلمات في صدري كما تنطفئ الشموع في مهبّ الريح.
          
          أنا ذاك الذي ناجاكِ في صمت الليالي، ورجاكِ أن تبقي، أن لا تتبدّلي، أن تكوني لي كما تخيّلتكِ: ملاذًا لا خذلان فيه. فإذا بكِ تأخذين كلماتي، تلك التي نسجتُها من نبض قلبي، وتحولينها سهامًا، تطلقينها نحوي دون رحمة.
          
          فهل كنتِ غيمةً حقًّا، أم كنتُ أنا الذي رسم الغيم على صفحة السراب؟
          
          وهل كان فيكِ الجفاء منذ البدء، أم أن قلبي هو الذي ألبسكِ ثوب الحنان؟
          
          ها أنا أتعلم، بعد أن جفّت أرضي وهدأت عاصفتي، أن ليس كلُّ ما يشبه المطر يروي، وليس كلُّ من يقترب من القلب يسكنه.
          
          وسأبقى، رغم كل شيء، أرضًا تنتظر... ولكن بحذر السماء.
          
          
          إلا من ضننتها غيمتي