للملائكة أقلام
كانوا يقولون قديمًا:
«للحيطان آذان، فاحذر ما تقول.»
وكأنّ الصمتَ كان نجاة، وكأنّ الكلمات إذا لم تجد أذنًا بشريةً تسمعها، عادت إلى العدم.
لكنني، كلما كبرت، أدركت أن الحيطان لا تحتاج إلى آذان أصلًا...
فـللملائكة أقلام.
أقلامٌ لا تنام حين ننام، ولا تغفل حين نغفل، ولا تنسى ما تمنّينا لو أنّ العالم كلّه نسيه.
تكتب ضحكتنا التي أخفينا خلفها وجعًا،
والكلمة التي ألقيناها عابرةً، ثم قضى غيرنا بسببها ليلةً كاملةً يتساءل:
«لماذا قالها؟»
تكتب دمعةً سقطت في الظلام ولم يرها أحد،
ودعاءً خرج من صدرٍ منكسرٍ ولم يسمعه سوانا،
ويدًا امتدت إلى محتاج، ثم عادت خاليةً دون أن تنتظر شكرًا.
تكتب أيضًا ما ظننّاه صغيرًا...
نظرةً جارحة.
كذبةً عابرة.
قلبًا كسرناه ثم مضينا.
وشخصًا تركناه خلفنا لأننا ظننّا أن الرحيل أسهل من الاعتذار.
يا ليتنا كنا نخشى الأقلام كما نخشى الآذان.
يا ليتنا، قبل أن نتفوّه، تذكّرنا أن للكلمات أعمارًا أطول من أفواهنا؛ فقد تموت الأصوات، وتُغلق الأبواب، ويغيب أصحابها تحت التراب، لكن ما كُتب لا يضيع.
ولعلّ أشدّ ما يحزن في الأمر...
أن الإنسان يقضي عمره خائفًا من أن يكتشف الناس أسراره، ولا يخاف بالقدر نفسه أن يلقى الله بصحيفةٍ تعرف عنه أكثر مما يعرفه الناس.
فلا تراقب الحيطان كثيرًا...
راقب قلبك.
ولا تخشَ أن يسمعك أحد...
فثمّة أقلامٌ تكتب، وملائكةٌ لا تنسى، وربٌّ لا تخفى عليه خافية.
وحين تنتهي الحكاية، لن يُسأل الجدار عمّا سمع،
بل سيُسأل الإنسان عمّا قال وفعل.
فالحيطان بلا آذان،
لكنّ السماء لها أقلام.