ربما نلتقي،
لكن بعد أن تهرَم الوجوه،
وتذوب الأسماء من الذاكرة،
ونقف أمام بعضنا كأطيافٍ بلا ملامح.
ربما نلتقي،
لكن على رصيفٍ مهجور،
يحمل صدى غربتنا،
وتحت سماءٍ لم تعُد تعرف النجوم.
سنمدّ أيدينا المرتجفة،
لا بحثًا عن العناق،
بل عن يقينٍ أخير
بأن الفقد كان أعمق من اللقاء.
وربما، حين نلتقي،
لن يبقى منّا ما يستحق اللقاء أصلًا.
كان صباحي ينهضُ بي...
خفيفًا كأغنيةٍ تُدندنها العصافير،
نقيًّا كدعاء أمٍّ
ترجُو لابنها الحياة،
لا همّ فيه... لا شجن،
إلا اشتياقي إليكِ.
كنتُ أكتب لكِ على ورقٍ أبيض
بلُغةٍ لا يفهمها أحد،
لغةٍ لا تُقرأ إلا بقلبكِ،
فكلُّ حروفها... من دمِي.
أما الآن؟
فلا صباحَ لي،
ولا ليلَ يحملني إلى الأحلام،
أنا الساهرُ،
الضائعُ بين يقظةٍ مُرهَقة،
ونومٍ لا يأتي.
كان حُلمي وواقعي وجهين لكِ،
وكنتِ أنتِ...
ذلك الواحد الذي يربط بينهما،
أراكِ في منتصفِ حديثي،
حتى وأنا أضحكُ مع أصدقائي،
أراكِ في المقهى، في المقعدِ المقابل،
في الأغنيةِ التي لم أخترها،
في الأغاني التي لم أكتبها...
لكنها تشبهكِ!
أراكِ في الحافلة،
جالسةً على الرصيفِ المُبلّل،
وفي العملِ المملّ،
في عيونِ الناس...
وفي عيوني التي لا ترى سواكِ.
كنتِ سعادتي...
وكنتِ أملي،
فهل تُطاردينني؟
أم أنني أسيرُ إليكِ...
وأنا لا أدري؟
لِمَ يظهرُ اسمكِ في كلِّ حديث؟
حتى وأنا أشرحُ لهم جرائمَ هتلر،
تنهضين من بين الجُمل،
كأنكِ تسرقين التاريخ وتزرعين وجهكِ فيه.
سافرتُ...
وفي أول رحلةٍ طيران،
رأيتكِ تلوحين لي من بين الغيوم،
فهل تتبعينني إلى السماء؟
طرقتُ باب الطبيب،
سألته: "ما بي؟"
قال لي: انفصام!
ضحكتُ...
يا له من انفصامٍ ساحر،
لا يجعلني أُدرك مرارة السنوات،
يتركني أروي حكايتنا كأنها ملحمة،
كأنني شاعرٌ فقدَ عقله،
ووجدكِ في الجنون.
أحببتُكِ حدّ التعدي على عقلي،
وكتبتُ فيكِ أغاني لم تولد،
وشعراء تغزّلوا بنا وهم لا يعرفوننا،
كأننا قصةٌ أسطورية
جعلت الزمن يخجل من عجزه.
نحنُ؟
لا شيء...
إلا شخصًا واحدًا
يحبُّ نفس الشخص...
بلا نَفَس.
فهل هذا...
يا الله...
مَرَض؟