imsl1_

ما دخلتُ بأمرٍ إلا ظننتُ أن العقل هو رأس المال، ثم تبين لي بعد التجربة أن رأس المال هو الصمت، وأن الأرباح تُقسَّم على قدر القدرة على هز الرأس لا على تحريك الفكر. 
          	عملتُ في موضعٍ (سابقًا)، لو سُمِّي انتظارًا لكان أصدق، الناس فيه على ثلاث طبقات:
          	قومٌ يكتبون ليُقال إنهم كتبوا.
          	وقومٌ يقرؤون ليُقال إنهم اطّلعوا.
          	وقومٌ لا يكتبون ولا يقرؤون، ولكن تُنسب إليهم المسؤولية كما تُنسب الأشعار إلى الجاهليين.
          	وكنتُ إذا مررتُ على عبارةٍ متعبةٍ أحسستُ بها قبل أن أراها، كأن للخطأ رائحةً لا تخفى على من طال أنفه في اللغة.
          	 فإذا قلتُ: "لعل الخبر هنا محذوف"، قالوا: "المعنى واضح"، وإذا قلتُ: "الواضح يزداد وضوحًا بالتقييد"، قالوا: "دعك من التعقيد بالتقييد!"
          	فعلمتُ أن الإطالة عندهم أن تُفكر، والاختصار أن تمر كما تمر الختمة على ورقٍ لا يُقرأ.
          	وكان أكثر ما يُدهشني أنهم يحبون الكلمات المعرجنة حبًا لا يليق بها؛
          	ثم يضعونها حيث لا تعمل، كما توضع العناوين اللامعة على أبوابٍ لا تُفتح. فكنتُ أُقلب الجملة كما يُقلِّب الرجل قطعة نقدٍ مشكوكًا فيها،
          	لا طمعًا في ردِّها، بل خشية أن تسري العدوى إلى بقية النص.
          	وإذا سألتُ عن الترتيب قيل: بالأهمية.
          	وإذا سألتُ عن الأهمية قيل: حسب ما يُرى.
          	وإذا سألتُ: ومَن يرى؟
          	قيل: سترى.
          	فصار التوجيه عندهم فاعلًا مرفوعًا لا يُذكر، وصار الفعل مبنيًا للمجهول حياءً لا ضرورة، ومع ذلك، لم أُخاصم أحدًا، ولم أرفع صوتًا،
          	وكنتُ أكتفي بأن أضع الكلمة في موضعها، وأترك للزمن أن يُعرب الباقي.
          	وأحيانًا كنتُ أتساءل:
          	هل أنا في هذا المكان لأُصلح الجمل؟
          	أم لأتعلم كيف تعيش الجملة ناقصةً ولا تموت؟
          	ولا أملك جوابًا إلى الآن؛ فالعمل ما زال قائمًا، والأوراق ما زالت تدور،
          	والعبارة الأخيرة  تُكتب دائمًا:
          	"والله ولي التوفيق".
          	ولا أدري
          	هل هي خاتمة؟
          	أم بداية مؤجَّلة؟
          	أم خبرٌ لم يُقيَّد؟ 
          	"سأرى لاحقًا". 
          	

imsl1_

ما دخلتُ بأمرٍ إلا ظننتُ أن العقل هو رأس المال، ثم تبين لي بعد التجربة أن رأس المال هو الصمت، وأن الأرباح تُقسَّم على قدر القدرة على هز الرأس لا على تحريك الفكر. 
          عملتُ في موضعٍ (سابقًا)، لو سُمِّي انتظارًا لكان أصدق، الناس فيه على ثلاث طبقات:
          قومٌ يكتبون ليُقال إنهم كتبوا.
          وقومٌ يقرؤون ليُقال إنهم اطّلعوا.
          وقومٌ لا يكتبون ولا يقرؤون، ولكن تُنسب إليهم المسؤولية كما تُنسب الأشعار إلى الجاهليين.
          وكنتُ إذا مررتُ على عبارةٍ متعبةٍ أحسستُ بها قبل أن أراها، كأن للخطأ رائحةً لا تخفى على من طال أنفه في اللغة.
           فإذا قلتُ: "لعل الخبر هنا محذوف"، قالوا: "المعنى واضح"، وإذا قلتُ: "الواضح يزداد وضوحًا بالتقييد"، قالوا: "دعك من التعقيد بالتقييد!"
          فعلمتُ أن الإطالة عندهم أن تُفكر، والاختصار أن تمر كما تمر الختمة على ورقٍ لا يُقرأ.
          وكان أكثر ما يُدهشني أنهم يحبون الكلمات المعرجنة حبًا لا يليق بها؛
          ثم يضعونها حيث لا تعمل، كما توضع العناوين اللامعة على أبوابٍ لا تُفتح. فكنتُ أُقلب الجملة كما يُقلِّب الرجل قطعة نقدٍ مشكوكًا فيها،
          لا طمعًا في ردِّها، بل خشية أن تسري العدوى إلى بقية النص.
          وإذا سألتُ عن الترتيب قيل: بالأهمية.
          وإذا سألتُ عن الأهمية قيل: حسب ما يُرى.
          وإذا سألتُ: ومَن يرى؟
          قيل: سترى.
          فصار التوجيه عندهم فاعلًا مرفوعًا لا يُذكر، وصار الفعل مبنيًا للمجهول حياءً لا ضرورة، ومع ذلك، لم أُخاصم أحدًا، ولم أرفع صوتًا،
          وكنتُ أكتفي بأن أضع الكلمة في موضعها، وأترك للزمن أن يُعرب الباقي.
          وأحيانًا كنتُ أتساءل:
          هل أنا في هذا المكان لأُصلح الجمل؟
          أم لأتعلم كيف تعيش الجملة ناقصةً ولا تموت؟
          ولا أملك جوابًا إلى الآن؛ فالعمل ما زال قائمًا، والأوراق ما زالت تدور،
          والعبارة الأخيرة  تُكتب دائمًا:
          "والله ولي التوفيق".
          ولا أدري
          هل هي خاتمة؟
          أم بداية مؤجَّلة؟
          أم خبرٌ لم يُقيَّد؟ 
          "سأرى لاحقًا". 
          

imsl1_

ماذا تَقولُ لِأَفراخٍ بِذي مَرَخٍ
          حُمرِ الحَواصِلِ لا ماءٌ وَلا شَجَرُ
          
          أَلقَيتَ كاسِبَهُم في قَعرِ مُظلِمَةٍ
          فَاِغفِر عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ يا عُمَرُ
          
          أَنتَ الأَمينُ الَّذي مِن بَعدِ صاحِبِهِ
          أَلقَت إِلَيكَ مَقاليدَ النُهى البَشَرُ
          
          لَم يوثِروكَ بِها إِذ قَدَّموكَ لَها
          لَكِن لِأَنفُسِهِم كانَت بِكَ الخِيَرُ
          
          هذه القصيدة للشاعر الحطيئة، قصتها بكل اختصار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سجنه بسبب أذاه للمسلمين والزبرقان تحديدًا، وحين سُجن استلطف عمر رضي الله عنه بهذه الأبيات وأمر بالإفراج عنه.
          من تتبع سيرة الحطيئة، وقرأها جيدًا لن يصدق أن هذه الأبيات الرقيقة خرجت من كائن عربيد فاجر لم يسلم من هجائه أمه! 
          قريبًا سأنشر مقالة تتناول مسألة الانحراف الأخلاقي لدى الشعراء ومدى ارتباط العربدة والفسق الأخلاقي بالإبداع الشعري، كما فعل أبو نواس مؤسس علم العربدة أيضًا. 

imsl1_

السعي للرزق ضرورة من ضرورات الحياة، فهو عبادة بحد ذاته متى صَحَّت فيه النية، وهو طريق يعلِّم الإنسان الجد والأخذ بالأسباب، ويكشف له معنى الاعتماد على الله حقَّ الاعتماد. فالسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وإنما جعل الله للأرزاق أبوابًا لا تُفتح إلا بجهدٍ وسعي. ومع ذلك، يبقى التوفيق من عند الله، فما أكثر من جدَّ واجتهد ولم يُفتح له، وما أكثر من بذل قليلًا فبارك الله في سعيه، فالمعادلة دائمًا بين عملٍ صادق، وتوفيقٍ إلهي.
          وقد جاء في الحديث الشريف: "لو أنكم تتوكَّلون على الله حق توكُّله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا" [رواه الترمذي]. فالطير تسعى وتغدو وتروح، لم تركن إلى العشّ، ولم تترك السعي بحجة أن الرزق مكتوب، بل خرجت وأخذت بالأسباب، فجاءها رزقها مقرونًا بالتوكل والتوفيق.
          ولهذا قال الإمام علي رضي الله عنه: الْعَمَلُ مِنْ غَيْرِ تَوْفِيقٍ عَنَاءٌ، وَالتَّوْفِيقُ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ هَبَاءٌ، أي أن العمل بلا بركة من الله تعب بلا ثمرة، والتوفيق بلا سعي لا ينتج أثرًا.
          فالواجب على المرء أن يكُدَّ ويجتهد ويطرق الأبواب، وهو في قلبه على يقين أن الفضل كله لله، وأن ما قُدِّر له سيأتيه في أوانه، لا يُخطئه ولا يتأخر عنه. وبهذا يجتمع في قلبه الطمأنينة، وفي يده الحركة، وفي حياته بركة لا تنقطع.
          

imsl1_

الحياة ليست وعدًا باليسر، ولا طريقًا مفروشًا بالطمأنينة. هي دروب متعرجة، تتناوب فيها العتمة والضياء، وتختلف فيها الأقدار كما تختلف فصول السنة. يعلو فيها صوت الحزن أحيانًا، لكنه لا يغلب صوت الإيمان في قلب من رضي.
          إن المؤمن إذا أصابته شدةٌ علم أن وراءها حكمة، وإذا نزل به بلاءٌ توقن أن الله لا يُقدِّر شيئًا عبثًا، وأنه أرحم به من نفسه، ولو خفي وجه الرحمة.
          ولذلك قيل:
          دعِ الأيامَ تفعل ما تشاءُ
          وطبْ نفسًا إذا حكم القضاءُ
          ولا تَجزَعْ لحادثة الليالي
          فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ
          وكُن رجلًا على الأهوالِ جلْدًا
          وشيمتُكَ السماحةُ والوفاءُ
          وهنا يظهر جمال الرضا؛ لا بوصفه استسلامًا، بل تسليمًا، لا بصفته ضعفًا؛ بل قوّة نفسٍ تؤمن بأن الله يكتب الخير وإن لم يظهر بعد.
          فإن ضاقت عليك الدنيا، وتقطّعت بك السبل، فتذكّر أن النهايات ليست عند الناس، بل عند الله، وأن أعظم ما يُرجى ليس مالًا يُجمع، ولا جاهًا يُنال، بل حسن الخاتمة.
          فكل ابتلاء يُطهِّر، وكل ألمٍ يُهذّب، وكل صبرٍ يُثاب. ومن رضي، رُفع، ومن سأل الله الثبات، ثبّته، ومن رجاه لحسن الختام، ختم له بما يُرضيه.
          وما الدنيا إلا معبر، والزاهد فيها من علِم أن الراحة ليست هنا؛ بل هناك، في دار لا تعب فيها ولا وداع؛ رزقنا الله حسن الختام، وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين. 

imsl1_

ما رأيكم بكلمة "التمدرس"؟ 
          حين ننظر إلى هذه الكلمة بعين اللغوي، نجد أنفسنا أمام مصطلح مشتق من اسم جامد هو "مدرسة"، و"المدرسة" بدورها ليست من الجذور الفعلية الثلاثية المألوفة في العربية القديمة، بل هي اسم مكان مشتق من الفعل "دَرَس"، أي قرأ و تعلّم. لكن "التمدرس" لا تُشتق من "دَرَسَ" مباشرة، بل من الاسم "مدرسة"، وهذا ما يجعل تركيبها مختلفًا عن المعهود في أصول الاشتقاق التقليدي.
          صرفيًا، تُبنى الكلمة على وزن "تَفَعْلُل"، وهو وزن مقيس يُستخدم كثيرًا في العربية المعاصرة لتوليد الأسماء الدالة على العمليات أو الظواهر المؤسسية، مثل "تَمَدُّن" من "مدينة"، و"تَثَقُّف" من "ثقافة". وعليه، أرى أن "التمدرس" لا تخرج عن هذا النسق، فهي تعني: الدخول في عالم المدرسة، أو الانتظام في صفوف التعليم.
          غير أن هذا الاشتقاق لا تجده في كتب اللغة القديمة، ولا في المعاجم التراثية، لأنه ببساطة وليد حاجة جديدة فرضها الواقع، لا سيما في ظل نشوء المؤسسات التعليمية الحديثة، الأمر الذي يتطلب مصطلحات تعبر بدقة عن مفاهيم لم تكن موجودة في الزمن السابق. وهنا يبرز دور الاشتقاق الصناعي أو ما يُسمى أحيانًا بالاشتقاق الوظيفي، وهو اشتقاق يقيس اللغة على نفسها لتواكب العصر.
          أما من حيث الفصاحة، فإن الكلمة وإن لم تكن موروثة عن القدماء، إلا أنها مقبولة وظيفيًا، وقد تبنّاها العديد من التربويين واللغويين المعاصرين، بل وأُدرجت في بعض الوثائق الرسمية والمعاجم الحديثة، باعتبارها تعبيرًا مناسبًا عن مفهوم واضح.
          وفي المقابل، يمكن استخدام بدائل أكثر تقليدية مثل "الدراسة"، أو "طلب العلم"، لكنها لا تؤدي بالضرورة نفس المعنى الإداري أو المؤسسي الذي تحمله كلمة "التمدرس"، والتي توحي بالانخراط في نظام مدرسي محدد، لا مجرد التعلُّم أو القراءة.
          وهكذا، تظل "التمدرس" مثالًا حيًا في قدرة العربية على التطور، ما دامت تحافظ على أصولها الصرفية، وتلتزم بحاجة المعنى وسياق الاستخدام.
          فاللغة، وإن كانت ابنة التراث، فهي أيضًا مواكبة للواقع.

imsl1_

@-mister لفتة جيدة 
Reply

-mister

@imsl1_  
            ذكرني حديثك  بفلم الأستاذ والمجنون ...
            
Reply

imsl1_

أهناك مثل غزل امرئ القيس في قوله: 
          
          أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ!
          وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي!
          
          أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي؟
          وأنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ؟
          
          وإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ
          فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ
          
          وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِي
          بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
          
          سيِّد الشعر الأول، الملك الضليل! 

imsl1_

شيء خارق؛ والحين يجينا واحد ياخذ بيتين من شات جي بي تي ويسمي نفسه الشاعر الملك السليح! فتأملوا رعاكم الله. 
Reply

imsl1_

ولا في سياق آخر قال واصفًا الليل ومخاطبًا له: 
            
            ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ
            عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي
            
            فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
            وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
            
            ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِي
            بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ
            
            فَيَا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ
            بكل مُغار الفتل شُدّت بيذبل
            
            كَأَنَّ الثُرَيّا عُلِّقَت في مَصامِها
            بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَل ِ
Reply

imsl1_

ما أعذب أن يُرزق المرءُ قلبًا لا يطيب له أن يرى الحائرَ تائهًا، ولا المسكينَ مكسورًا، ولا المهمومَ يحمل في صدره ما لو وُزّع على الناس لأثقلهم جميعًا.
          وما أكرمَها من نعمةٍ، أن يُجريك الله مجرى لطفه في حياة الناس، فيجعل لك في قلوبهم منزلة، وفي حوائجهم ذِكرًا، وفي دعائهم نصيبًا لا تبلغه بجاهٍ ولا سلطان.
          إنّ الناس لا يلجأون إلى الصخر، ولا يستندون إلى الظل إن لم يكن وارفًا؛ فافرح –إن أتاك السائلُ– لا لأنك تملك، بل لأنك أُهّلتَ لتكون وسيطَ رحمةٍ بين العبد وربه.
          ألم يقل نبيّ الرحمة صلى الله عليه وسلم: "أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِيَ مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ…إلخ؟
          فما بالك بمن تكون له الأبواب، وهو للناس باب؟
          ما أجمل أن تمشي في حاجتهم، لا تكبّرًا، بل تواضعًا، لا مَنًّا، بل رحمة، فإن في قضاء الحوائج بركةً لا تُرى، وسكينةً لا تُشترى، ورضا يسكن في الصدر كأنه عطرُ الجنة في أرض الدنيا.
          ألم تقرأ قوله تعالى:
          ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾؟
          ثم علّلوا فعلهم لا بمصلحة ولا رياء، بل قالوا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾.
          إنّ أعظم ما يُؤتيه الله عبدًا، أن يفتحه للناس، ويجعل في صدره متّسعًا لمن ضاقت بهم الدنيا، فإنّ الحياة كثيرًا ما تُقسّي القلوب، فطوبى لمن بقي قلبه طريًّا يتأثر، ويشعر، ويُعين، ويُؤثِر، ويؤثِّر. 

imsl1_

من الأساليب التي شاعت في الكتابة المعاصرة، خصوصًا في الصحافة، تركيب: “هذا، وأوضح المتحدث…”، وهو أسلوب يبدو سهلًا لكنه يفتقر إلى التماسك النحوي والبلاغي.
          الخلل في هذا الأسلوب أن اسم الإشارة “هذا” يُترك دون خبر واضح، ثم تُعطف عليه جملة فعلية دون رابط يوضح العلاقة بين الجملتين، ما يجعله مخالفًا للسبك العربي المتماسك.
          القدماء كسيبويه وابن هشام وغيرهم لم يوردوا هذا الأسلوب، لأنهم كانوا يشترطون الترابط بين الجمل. كما أن القرآن الكريم والحديث والشعر الجاهلي تخلو من شواهد على هذا التركيب.
          المحدثون كالدكتور محمود شاكر وفاضل السامرائي أيضًا انتقدوا هذه الصياغات، ورأوا فيها ضعفًا في البيان.
          الراجح أن هذا الأسلوب غير فصيح، لأنه يُخِل بالتركيب السليم ويُفقد الجملة وضوحها. الأفضل استبداله بجمل تامة مثل:
          “وقد أوضح المتحدث ذلك” أو “ثم أوضح…”.
          الخلاصة:
          البيان العربي يقوم على التماسك والوضوح، وهذا الأسلوب لا يحقق أحدهما، لذا يُستحسن تركه في الكتابة الفصيحة

imsl1_

في زمن تزداد فيه الحاجة إلى الضبط اللغوي، يُنتظر من المصحح اللغوي أن يكون عونًا على البيان لا قيدًا عليه، وأن يتحلى بسعة أفقٍ تُراعي تنوع الأساليب الفصيحة، لا أن يَجمد على ما ألفه أو اعتاد عليه من قواعد جزئية أو آراء مدرسية.
          إن بعض المصححين، بدافع الحرص، يُسارعون إلى تصحيح تراكيب هي في الأصل صحيحة، لكنها تنتمي إلى طبقة فصيحة مهجورة أو أقل تداولاً. وهذا يُوقع في نوع من التضييق على الكاتب، بل ويقطع الصلة بين الحاضر والموروث اللغوي الغني. قال الإمام الشافعي: ما من لغة إلا وفيها اتساع، والقرآن يدل على اتساع لسان العرب.
          وقد نبّه مجمع اللغة العربية في غير موضع إلى أن كثيراً من الأساليب التي يُنكرها البعض، لها وجه فصيح موثّق في كتب الأوائل. مثلًا، التعبير بـ”التقى فلان مع فلان” قد يُخطَّأ، مع أنه شائع وله شواهد في لسان المعاصرين، ويُستساغ إذا لم يُحدث لبسًا.
          والمصحح اللغوي الحصيف هو من يُفرّق بين:
          الخطأ الحقيقي الذي يُخلّ بالمعنى أو يُخالف القواعد الصريحة.
          والأسلوب المختلف الذي له أصلٌ فصيح، ولو قلّ استعماله.
          فاللغة وعاء ثقافي، وتنوع الأساليب فيها يُغنيها، لا يُفقرها.
          لذلك، يجب أن يتحلى المصحح بسعة علم ومرونة فكر، فلا يكون غليظ اليد على نصّ سليم، ولا يُقصي وجوه اللغة الواسعة، بل يُوازن بين الأصول والثوابت وبين ما تقبله الذائقة المعاصرة. 

imsl1_

شيئان ينقشعانِ أولَ وهلةِ
          ‏ظل الشبابِ وخلة الأشرارِ
          ‏لا حبذا الشيب الوفيّ وحبذا
          ‏ ظِلٌّ الشباب الخائن الغدارِ
          ‏وتلهُّبُ الأحشاء شيَّبَ مفرقي
          ‏هذا الضياءُ، شُواظُ تلك النارِ
          
          ‏-التهامي.