Rojina26
في داخلي سرٌّ ثقيل، أقدم من وجهي، وأعمق من اسمي؛ سرٌّ عشتُه وحدي حتى صار جزءًا من دمي. كنتُ أحمله كما تُحمل اللعنةُ في صمتٍ نبيل، لا يراها أحد، لكنها تأكل صاحبها ببطء. أحببتُه في الخفاء حتى صار الخفاءُ وطني، وصرتُ أنا المنفى. كنتُ أراقبه من مسافةٍ لا تُقاس بالخطى، بل بعدد المرّات التي انكسر فيها قلبي دون أن يسمع صوت ارتطامه.
ما عرف يومًا أنني كنتُ أرتّب العالم لأجله في داخلي، وأنني كلما مرّ اسمه على مسامعي، اضطربت روحي كأنّ القيامة قامت فيها. كان يضحك، فأشعر أن الضوء قد اخترع نفسه من جديد، وكان يلتفت لغيري، فأشعر أن في صدري مقبرةً تُفتح بابًا بابًا. الغيرة كانت تأكلني كدودٍ مقدّس؛ لا يترك أثرًا يُرى، لكنه ينهش كلَّ شيءٍ حيّ.ثم مضى… وأكمل حكايتَه في جهةٍ أخرى، بينما بقيتُ أنا هنا، كمن ضاع منه العمر وهو واقف. ما أوجع أن ترى الوجه الذي بنيتَ له كل هذا الحبّ، يهب عمره ليدٍ أخرى، كأنك لم تكن سوى غيمةٍ عبرت سماءه ثم تبخّرت. كنتُ أظنّ أن الكتمان نجاة، لكنني اكتشفتُ متأخرًا أن بعض الأسرار قبور، وأنني دفنتُ نفسي حيّةً في هذا السرّ الطويل.وفي الليالي، حين يثقل السكون، أشعر أن روحي تنزف من مكانٍ لا يصل إليه أحد. أسمع داخلي أنينًا غريبًا، كأن قلبي حجرٌ يُطحن تحت عجلة الزمن، ولا ينتهي. وأردد بيني وبين الخراب:
أحببتُكَ حتى صار الصمتُ مأتمي
وصار الهوى سيفًا يُقيمُ بمهجتي
وما كنتُ أدري أن كتمَ مواجعي
سيجعلُ من قلبي ضريحَ محبّتي
أعظم العذاب ليس أن تفقد من أردت… بل أن تبقى كل هذه السنين تحمل له في صدرك كونًا كاملًا، وهو لا يدري أنك كنتَ تحترق لأجله في كلِّ مرةٍ مرّ فيها بسلام.”