mus_90
بينما كنتُ جالساً أنتظر دوري في عيادة طبيب العيون، اقتحم سكون المكان طيفٌ يتدثر بالسواد من الرأس حتى القدم؛ امرأةٌ غيبت الملامحَ خلف ردائها، لكن صوتها كان عارياً من كل قناع. كانت تستغيث بـغصّةٍ وحرقة، وتقسم للحاضرين بعظيمِ حاجتها وعوزها، مناديةً بقلبٍ يملؤه الانكسار.
لطالما اعتدتُ، تحت تأثير ما نسمعه ونشاهده من تقارير حول احتراف التسول، أن أحكمَ إغلاق باب عطائي في مثل هذه المواقف، مفضلاً أن تكون صدقتي هادئةً وفي مواضع أتحقق من صدقها بنفسي. لم أعرها في البداية اهتماماً، لكن فجأة.. انبعث من داخلي نداءٌ زلزل طمأنينتي:
"ماذا لو كانت هذه المرأة هي حُجّة الله عليك حين تُوسّد في قبرك؟ وكيف يكون موقفك يوم القيامة حين استصرختك سائلةً، فصددتَ بصرك عنها ولم تكترث؟"
حينها، اهتزت قناعاتي وتذكرتُ حديث النبي ﷺ عليه وعلى اله «اتقوا النار ولو بشق تمرة»؛ فأدركتُ أن النجاة قد تكمن في ذلك القليل الذي نستصغره، وأن دفع السائل بقلبٍ قساه الحذر قد يكون أعظم خسراناً من درهمٍ نضعه في يدِ من لا يستحق.