لعلّكِ، أيتها الأيام، تعبرين وتمضين،
ولعلّ الزمن يُرمِّم نفسه بعد حين،
إلا أنّكِ يا غزّة خُلِّدتِ في قلبي جراحًا لا تندمل،
ندوبًا لا يعترف بها الطبّ الحديث،
ولا تُجدي معها وصفات النسيان ولا مسكّنات العُمر.
أحببتكِ، ولا أنكر ذلك،
تعلّقتُ بذكرياتكِ كما يتعلّق الغريق بخشبة نجاة،
وبوجوهكِ الجميلة التي كانت تبتسم رغم الركام،
بأصواتكِ، بأزقّتكِ، برائحة الخبز المختلطة بالدعاء،
بكلّ تفصيلٍ صغيرٍ كان يقول لي: هنا حياة، رغم الموت.
وأتمنّى…
أن يأتي يومٌ لا نُعرّف فيه أنفسنا بالألم،
أن أذكركِ دون أن يرتجف قلبي،
دون أن تدمع عيني،
دون أن أشعر أنّ شيئًا ما يُنتزع من صدري كلّما نُطق اسمك.
لكنّ الحقيقة، وإن كانت موجعة،
أنكِ لستِ ذكرى عابرة،
أنتِ وطنٌ يسكنني،
وجرحٌ علّمني كيف يكون الصبر شكلًا من أشكال البطولة،
وكيف تتحوّل الخسارة، حين تُحبّ، إلى عهدٍ لا يُنقض.
ندى
يا لِهٰذا الغِيابِ…
مرَّ ثلاثةُ أشهرٍ وسبعةُ أيّامٍ منذ آخرِ زيارةٍ لك، تلكَ التي انتهت بي على سريرٍ أبيضَ في غُرفةِ طوارئ، أتشبَّثُ بالحياةِ كما كنتُ أتشبَّثُ بكَ دومًا…
أشعرُ بالضَّعفِ من دونكَ، كأنَّني أمشي على قدمٍ واحدةٍ، أو كأنَّ ظهري قد انكسرَ ولم يَعُد لي سندٌ أتكئُ عليه…
سندٌ كنتَ أنتَ…
كنتَ ظهري، وأماني، ورَجفةَ قلبي حين أطمئنُّ.
وقعتُ في مصيبةٍ البارحةَ، مأساةٍ صغيرةٍ في بحرِ هذا الجحيمِ، لكنَّها ذكَّرتني بك…
بحثتُ عنك، بين نِداءاتي، في الليلِ، في الهاتفِ، في الهواءِ، في الرُّكام…
كنتُ مُعتادةً أن أهرعَ إليكَ كلّما ضاقت، كلّما اختنقت، كلّما جُرحت…
أمّا الآن، فمَن لي سِواكَ ولا سبيلَ إليك؟
لا أحدَ… لا أحدَ يُربّتُ على رأسي، لا أحدَ يقفُ أمامي كالدِّرع، لا أحدَ يقولُ لي "أنا هنا"، ويَعنيها.
لم يَعُد الأمانُ يتسلّلُ إلى روحي كما كان…
أشعرُ أنَّ كلَّ الجهاتِ قد تجرحني يومًا ما، وكلَّ الأصواتِ قد تطعنني، وكلَّ الوجوهِ قد تخونني…
وأسوأُ ما في الأمر؟
أنَّكَ لستَ هنا لتُدافعَ عنّي كما كنتَ تفعل…
لستَ هنا لِتردَّ عنّي السوء، وتُربِك الشرَّ، وتُربكني بحنانِكَ.
أشتاقُ لك…
أشتاقُ لك حتّى يختنقَ صدري، حتّى تتورَّمَ عيناي، حتّى أفقِدَ القُدرةَ على الكلام.
لكنَّني… أعلم.
أعلمُ أنَّكَ في مكانٍ أفضل، حيثُ لا قصفَ، لا بردَ، لا جوعَ، لا فزعَ مُنتصفِ الليل…
أعلمُ أنَّكَ في الأعالي، حيثُ الهدوءُ الذي لطالما بحثتَ عنه، حيثُ النورُ الخالصُ الذي يُشبهك.
أعلم… أنَّ الشهادةَ كانتْ حُلمَكَ، وأنَّكَ نِلتَها بكرامةٍ تليقُ بك، برُجولةٍ كانت تُبهِجني وتُخيفني في آنٍ واحد…
ولأنَّني أحبُّك، يجبُ أن أفرحَ لك، رغم أنَّ قلبي يتمزَّق…
لكن، هل ألومُ قلبي إنْ تمزَّق؟
هنيئًا لك…
أمّا أنا، فدعني أبكي قليلًا، فقط قليلًا،
ثمّ أعودُ أُكمِلُ حياتي بنصفِ قلب.
النصفُ الآخر، دُفنَ معك.
رحِمكَ الله كما لم يرحمْنا الغِياب.
• ندى
يجب أن أعترف بأنني من أولئك الأشخاص الذين لا يُطاقون في نهاية الأمر... أولئك الذين يشعرون أكثر مما ينبغي، الذين يحتاجون إلى كلماتٍ معينة يسمعونها، كلماتٍ لا تدهشهم إلا إذا كانت قد سبقت في مخيّلتهم، وتمرّنت عليها ذاكرتهم ألف مرة.
إنني من تلك الفئة المَلولة، التي ترفض الأشياء المكرّرة، الكلمات المألوفة، والوجوه المتشابهة؛ فئة المجانين الذين يعيشون في هروبٍ دائم من كل التفاصيل التي تُربكهم، ويضلّون الطريق غالبًا، ثم يجلسون يبكون بتفاهةٍ مستفزّة، يلقون باللوم على حظهم العاثر كأنما هو وحده من جرّهم إلى الحافة.
لكنّي أعتقد أن الأسوأ من كل هذا... هو كوني شخصًا متناقضًا، مزاجيًا إلى حدّ يسبب لي الدوخة والإعياء قبل أن يرهق الآخرين.
ستجدني تارةً مغنيًا مجنونًا مولعًا بالصخب، وتارةً أخرى كاتبًا كئيبًا، توشك أن تكون أطراف أصابعه زرقاء من البرد الداخلي، وأحيانًا تجدني طفلًا طيبًا بعينين صافيتين كأنهما لم تريا الألم بعد، وقد تجدني أيضًا شخصًا عاديًا لا يُلفت النظر.
ولا تتعجب إن رأيتني أحبك بشدة في لحظة، ثم أطردك من أمامي في اللحظة التالية مستنفرًا...
وعلى أي حال، أظنّني شخصًا طيبًا.
أقلّها... لا أؤذي أحدًا عن قصد، لا أسرق فرحًا من جيب أحدهم، ولا أفرض نكاتي السخيفة على أحد، وهذا وحده يكفيني.
يجدر بي أن أقول، أخيرًا، إنني ربما بعدما أنهي هذا النص، سأذهب لأشاهد أحد المسلسلات الكرتونية، ربما أضحك على الأفلام التركية السخيفة، أو أتابع ذلك المعتوه... سبونج بوب، أو ربما أقرأ روايةً تأخذني بعيدًا، بعيدًا جدًا عن هذا الواقع السخيف،
أو قد أتشاجر مع هذا الحائط، لأنه منذ مدة طويلة يقف في وجهي ويرمقني بنظرات الاستحقار المعتادة...
لكنني، رغم كل ذلك، سأظل أكتب،
لأن الكتابة وحدها تحتمل فوضاي،
وتفهمني حين يعجز الجميع،
سأظل أضحك أحيانًا كأنني لم أبكِ البارحة،
وأحلم، رغم أن الواقع يصرُّ على كسري،
وأتشبث بتفاهاتي الصغيرة كما لو كانت أوطاني...
لأنني ببساطة، لست أكثر من قلبٍ هشّ
يحاول، كل مساء، أن لا ينطفئ.
أجمل شعورٍ في هذا العالم، أن تنفصل عن صخب الواقع ووجعه، أن تهرب من زحام الألم وثقل الهموم، ومن ضجيج الحرب وقسوة البشر، إلى حضن روايةٍ تأخذك بعيداً.
أن تذوب بين صفحاتها كقطرة حبر، وتنسى أنك كائن من لحمٍ ودم، فتعيش بين السطور، وتصير أحدهم: تفرح لفرحهم، وتبكي لبكائهم، وتتنفس بوجدانهم، كأنك لم تكن يوماً غير حرفٍ على الورق.
لكن أبشع شعورٍ، وأقساه على القلب، هو لحظة النهاية... حين تُغلق الرواية، وتُنتزع روحك من عالمها انتزاعاً، لتُلقى مجدداً في حضن الواقع البارد، فارغاً، تائهاً، وكأنك خسرت وطناً كنت تنتمي إليه.
كلما نظرت لك اشعر بلوعة الشوق التي تشتعل داخلي برؤيتك ..
تحرق جوفي واعيني وتشتت ذهني وتدخلني صراعاتٍ لا نهاية لها مع ذاتي ..
اختفِ فقط .. لقد سئمت ابتعد عني لا تعد لي لا تعطني ذاك الألم ..
لقد تعبت وألهاني ذاك الالم عن حياتي ... ابتعد فقط ارجوك لا تعلقني بك اكثر .
Ignore User
Both you and this user will be prevented from:
Messaging each other
Commenting on each other's stories
Dedicating stories to each other
Following and tagging each other
Note: You will still be able to view each other's stories.