حينها، يا خالق الإنسان من طين، ما الذي فعله بها هذا الإنسان حتى يجعلها تبكي على كتفه دون خجل من الله ومن حولهما، وتتشبث به كما لو أنه عديل روحها، لا بل هو الروح نفسها التي فقدتها.
فبكت بكاءً لا قِبَل لها به، ولا قدرة على احتماله، تتصارع فيه تعاليم دينها مع وجع وأنين وشجن روحها.
وها هي الآن تهوي بين يديه، والذكريات تحيط بها وتحتضنها، لتحيّ فيها ما حرمت منه، وتعيد إليها ما عجزت عن التخلي عنه بالقوة.
يا الله هذه اللحظات هي التي أحيتها، وهي نفسها التي قد تقتلها قريبًا من شدة التوق إليها فتحاول الهروب من ذلك العالم المسمّى بالماضي، لكن قبضانه أبى أن يحررها منه ومن طوق يديه، فقادها إلى عالمٍ مليء باللحظات الحلوة، برفقة بعلٍ يعني لها الحياة بكل تفاصيلها: اللمسات الناعمة، السعادة الغامرة، الروح الصادقة، السند الحقيقي، والداعم الوحيد نحو صراط ربها.
فقد قبل بها زوجة، بعد المأزق الذي وقعت فيه ظلمًا ممن حولها، دون تقديم تبرير منها له ليبرهن صدق براءتها، فقد عفى عنها لتعفو عن نفسها، بعدما كشف لها نعيم معرفة الله ورحمته وعفوه عن عباده الضآلين مثلها بعد توبتهم ورجوعهم إليه، ولو بجزءٍ بسيط.
ثم اختفى فجأة من حياتها كالسراب، دون حتى أن يمنحها فرصة عناق الوداع، تاركًا إياها غارقة في بحر لجي يصعب النجاة منه إلا بحبل نجاة واحد: الحبل الذي يمسكه هو وحده.
ليقرّر
أن يعود،
يراقب المشهد،
ويحدّد من المجرم.
وقد حصل،
لينال أكثر ممّا أراد،
ويدرك الكثير
مع طيّ الأيام والشهور.
ليصبح صمته الظاهر ضجيجًا،
واشتعالًا داخليًا
يدفعه لسحق المجرم،
كي ترتفع الكفّة الحميدة
وتنخفض الكفّة الخبيثة
من الميزان، على مرأى جمهورٍ من الناس.
والآن… إذن،
سيبدأ دفع الثمن،
مضاعفًا.
ليس انتقامًا،
ولا كيلًا بالمكيال،
بل لأنّ الظلم
حين يتراكم
يطلب متنفسًا.
وابنتهم… هي الأفضل،
قربانًا لبراءة شقيقتي المهدورة،
مرآةً لما فعلوه بها،
كي يروا حال المصاب كيف يكون
حين يمسّهم،
ويصبح ضيفهم المقيم اللئيم.
لتحترق ابنتهم
كما احترق بدرنا،
احتراقًا كاملًا؛
لا لأنّه أذنب،
بل لأنّ النور
دائمًا
يدفع الحساب أوّلًا
والآن... تلاشى قمرنا
كي يأتي دور احتراق قمر البيادر
جميلة الجميلات…
زوجتي،
الموقّرة،
لتدفع الثمن علنًا،
بيننا،
أمامنا،
وأمام أنفسهم.
هذا ليس قصاصًا،
ولا شهوة دم،
ولا تلبيةً لنفسٍ آمرة بالسوء.
بل ببساطة…
هذه… هي العدالة، بأمّ عينها..
وكما كانت تقول جدّتنا نعيمة الغليظة
صاحبة منطق الكلام:
العدالة،
حين تأتي متأخّرة،
تأتي مفجعة،
مؤلمة،
خالية من الرحمة،
تسحق أكثر
ممّا تُعلّم العِبرة.
فبعض الذنوب
لا طهارة منها،
مهما صغرت
في عين فاعلها،
كحال فرعون والنمرود،
فينزل عليهم العقاب شديدًا،
غليظ القسوة،
قاهرًا لهم،
كي لا يظلموا الخلق يومًا بعده.
هذا… إن شاء الله لم يقبض أرواحهم قبلها،
ليعلّم خلقه
أن لا شيء قبله
ولا بعده،
هو الأوّل والآخر،
والقادر على كلّ شيء
بكلمةٍ منه وحده
سبحانه.
هيك كشفنا اخيرًا عن جنسية ام البطل
وسكت.
كأن ذلك آخر ما لديه.
ابتعد عنهم،
يلعن العائلة للمرة الألف،
وهو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه،
ولو كان الثمن أن يتضرّر هو.
تلك الفصعونة—كما يراها—
تتطاول عليه،
وتنصّب نفسها واعظةً عليه،
فلتتحمّل إذًا.
أتظنّ أن ابن الأفغانستانية
يريد الزواج منها حبًّا أو إسعادًا؟
إن كانت تعتقد ذلك،
فهي حمقاء.
هو لا يعرف السعادة،
ولا يبالي بها،
غارق دائمًا مع الرجال،
ومشغول عن كلّ ما عدا مصلحته.
فلتتقدّم الآن،
ولترَ مصيرها بعينيها.
أهو زواجٌ حقيقي؟
أم زواجٌ باطل؟
أم زواجٌ
لا يشهد عليه الله؟
كانت تظنّ نفسها ستحيا مدلَّلةً عند أبيها، وملكةً على عرش زوجها، ومقدَّرةً بين أبنائها وعشيرتها،
لتغدو الآن، في نظر المعظم، آثمةً،
ويُرى أن التطهّر منها لا يكون إلا بالخلاص منها بأسرع ما يمكن.
وكان ذلك مرعبًا لها؛
أن تودّع الحياة دون أن ترى وجه أبيها مرةً أخيرة،
ولا تتنعّم بحنانه أو تسمع ضحكته،
ولا حتى تنال رحمة جدّتها ودفءَ إخوتها.
ويا لبؤس حظّها…
فمنذ طفولتها لقّنوها
أن للمذنب — إن أُدين — حقَّ أمنيةٍ أخيرة
قبل أن تُنزل المقصلة أو يُسلَّ حدُّ السيف على عنقه.
غير أنّ حالها كان مختلفًا؛
فقد استكثروا عليها الأمنية،
وسلبوها إيّاها عنوةً،
دون أن يُمهلوها حتى نُطق كلمة.
لتقاسي صقيع العالم أجمع،
فترتعش روحها قبل أطرافها،
ثم يتصدّع قلبها كغريقٍ في محيطٍ متجمّد،
فيتورّم حلقها اختناقًا بغصّتها،
ويتمرّد جسدها عليها…
فيبكي عنها أولًا،
فتبكي هي عنه لاحقًا، وجعها وفَجْعَها شجنًا.
بكاءً يزيد الروح ألمًا، ثم طُهرًا،
كغيثٍ يُنبت نخيلًا،
ثم واحةً في قلب صحراء قاحلة،
خاويةٍ على عروشها.
مشهد قادم
الايمان من عدمو واحترام حدود الله كيف بخلي حياة الواحد هو كيف بفكر وهي شو رح تكون ردة فعلها
فاضطرب المكان لحظتها وزادت الفوضى بعدها، لكنه لم يبالِ، عابرًا ليبحث عنها، ليتأكد أنها حية ولم تمس بسوء. فتسبقه روحه نحوها قبل قدميه، ليقشعر جسده خلسة عندما انقشع أمامه بابٌ مفتوح، ورأى شعرًا مسدلًا على الأرض، وفتاة هزيلة الجسد تلتحف به، ترتجف من الخوف، وتصدر نشيجًا حزينًا، مفجوعًا، لم يسمعه من قبل قط.
فتسمّر مكانه، يتلقى لحن سيمفونية بكاءها كسوط عذاب على روحه، فملأ قلبه بالوجع وجعل العالم من حوله يتلاشى، عدا روحها وروحه فحسب، شاعرًا على حين غرة بالعجز يقبض على صدره، وعيناه تمتلئان بالدموع التي لم تنزل على وجنتيه بعد، ليقطع المسافة بينهما، راغبًا في وقف هذا العذاب، وتخليصها مما عاناه هو في طفولته.
فهو كم يكره استصغار الضعفاء، وأكل حقوقهم، واستمرار ظلمهم والتلاعب بمصيرهم، مسمي نفسه هو الناصرهم عوض معبودهم.
وفجأة، بلا استئذان
تحول لحن بكاءها إلى أنينٍ شجي يخترق روحه كطعنة قاتل جسيم بلا مهابة وخشية من قسوة قلبه وغلظته وعجاف عمره الأثيم،
حينها يا خالق الأفئدة من روح وطين كم قهر عليها وانتفض جسده، وكره شعورها بتجسّد الألم كله في حضنها الصغير، ليضمّها إلى روحه لا جسده، محاولًا أن يخفف عنها ما لا يستطيع العالم أن يخففه
Ignore User
Both you and this user will be prevented from:
Messaging each other
Commenting on each other's stories
Dedicating stories to each other
Following and tagging each other
Note: You will still be able to view each other's stories.