السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول ابن الجوزي رحمه الله: "فإياك أن تسأل شيئًا إلا وتقرنه بسؤال الخيرة، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سببًا للهلاك."
أحيانًا الإنسان يتعلق بشيء، ويظن أن سعادته كلها في حصوله، فيدعو به ويلحّ في طلبه..
بينما الله سبحانه يعلم ما لا نعلم، ويرى من العواقب ما لا نرى!
فكم من شيء تمنيناه، ثم اكتشفنا بعد ذلك أن صرفه عنا كان رحمة، وكم من أمر تأخر فتبين لنا أن الخير كان في تأخيره لا في تعجيله..
فإياك أن تنشغل وأنت تدعو بتحصيل حاجتك فقط!
ولكن اسأل الله عز وجل أن يرزقك الخير فيها، وأن يبارك لك فيما يقدّره عليك ويرضيك به..
وتذكر دائمًا أن الخير الحقيقي ليس في حصول كل ما نتمناه، وإنما في أن يوفقنا الله لما ينفعنا في ديننا ودنيانا..
فكلما دعوت الله بشيء، اجعل في دعائك: اللهم إن كان فيه خير فَيَسِّره لي، واجعله عونًا لي على طاعتك، وارزقني فيه العفو والعافية والبركة.
الإيمان مش إنك تدعي فا ربنا يستجيب لك علطول فتؤمن، لإن ده كدا إيمان مشروط
الإيمان الحقيقي هو إنك تدعي، وتلاقي السكك مقفوله في وشك، وتدعي، وتشوف كل اللِّي حواليك سبقوك، وتدعي، ورجليك تتجرح من شوك السكة الصعبة
ورغم كل ده مابتزيدش عن إنك تقول: يا رب ما ألطفك، إيه الخير اللِّي أنت شايلهولي؟
وتفضل برضوا مستمر وتدعي، لحد ما ربنا يجبر بخاطرك ويداوي كسرتك ويعوضك أضعاف أضعاف على صبرك وحسن ظنك برحمته، وهو سبحانه مش هيخيب ظنك أبدًا.
مرَّ النبيُّ -ﷺ- بعبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ وهو حزينٌ، فقال له: "لا تُكثِر همَّك، ما يُقدَّرُ يكُن، وما تُرزَقُ يَأْتِك".
كُلُّ ما أصابَكَ، لم يكُن بالإمكانِ تفادِيهِ..
ولا يُغني حَذرٌ عن قَدَر؛ فَارضَ تَسعد، وَلا تُحمِّل نفسكَ ما لا تطِيقُ، لا تكُن أَنْتَ والدُّنيا على نفسكَ!
رزقُكَ لكَ، وأَنْتَ آخِذُهُ..
وَلو هَربتَ مِنهُ، لحُمِلَ إليكَ حتَّى عتبةِ بابِك...
وما لم يَكُن لكَ فلست بِآخذهِ ولو كَانَ مَعكَ الإنسُ والجِنُّ والملائِكةُ ظَهيرًا.
وما أجمَلَ قولَ عُمَرَ بن الخطَّابِ: كُلُّ الخَيرِ في الرَّضا؛ فإنِ استطعتَ فارضَ، وإنْ لَم تَستَطِع فَاصبِر.
السلام عليك يا صاحبي،
ما لي أرى انكسارًا في صوتك وحزنًا في عينيك؟
أتحسب أنك لست من الصالحين؛
لأن لك ذنبًا عجزت أن تتخلص منه؟
وأنك تتوب ثم تعود لتقارفه،
من قال لك أنه ليس للصالحين ذنوب؟
ومن قال لك أنهم ليسوا في حرب مستمرة؟
تارةً مع الشيطان، وتارةً مع أنفسهم،
فيفرحون مرة، ويُهزمون مرة،
كل الصالحين كذلك يا صاحبي،
ولكن الله تعالى لرحمته لهم أرخى عليهم ثياب ستره.
يا صاحبي،
اقرأ قول ربك:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
أتحسب أن كل الجهاد هو سيفٌ وترس؟
إن قتالك لتحافظ على نقاء قلبك، هو جهاد!
سيكتب الله تعالى لك أجر صراعك مع الذنب،
وحزنك بعد المعصية،
ونهوضك بعد الانتكاس،
واستغفارك بعد الخطيئة،
كل هذا جهاد في سبيل الله،
ويهديك الله بعد كل هذا إلى سواء السبيل،
هذا وعدٌ من الله،
ولا أحد أوفى بالعهد من ربك.
كل الناس مذنبون يا صاحبي،
الصالحون والطالحون على حد سواء،
ولكن الصالحين يستترون ولا يجاهرون،
ويستغفرون ولا يُصرّون،
ويعترفون ولا يُبرّرون!
يا صاحبي،
إن الندم بعد الذنب صلاح،
والدمعة بعد المعصية صلاح،
والاستغفار بعد الخطيئة صلاح،
ما دمت تشعر بمرارة الذنب فأنت صالح،
وما دمت تشعر بالوحشة عند ابتعادك عن الله، فأنت صالح،
فالقاسيون لا يشعرون بكل هذا!
والسلام لقلبك.