sarthvk_7

مسخٌ أم استعارة؟ إعتَبِرها ما شِئت! يغدو الصَدَى يُحاكي دونَ أن يَملكَ جوهَرَ الصَوت. لَيسَ الأمُرُ مجرَدَ تأثُرٍ يَعبرُ أو محبَةٍ تتسلَلُ، بل هوَ استنساخٌ قسريٌ يَنهرُ هويَةَ الأشياء، فتغدو المَلامحُ الصغيرَةُ والنَغماتُ الخفيَةُ وتَرتيبُ الرُوح للعالَم، ظِلالًا مستعارَةً يَرتديها آخَرُ بـلا استئذان، مُفرغًا إيَاها من شغَفها الأوَل.
          	وَتَستمرُ المَهزلَةُ في صَمتٍ مُريب، أن تشهَدَ كائنًا يَعيشُ على الفُضالات المَعنويَة، يَتغذَى على ما أُحبُ، ويَتبنَى ما أَهوَى دونَ أن يُدركَ معناه، حتَى صارَت الشخصيَةُ المُوازيَةُ هَيکلًا شمعيًّا يُتقنُ المُحاكاةَ ويَفقدُ النَبض. مُقرفَةٌ هذِهِ الحَضارَةُ الزائفَةُ التَي تَبني هويَتها على سَرقَة التَفاصيل، يُوهمُكَ الفاعلُ بالقُرب، ويُثقلُ كاهلَكَ بالإدَعاء، بَينما هوَ في الحَقيقَة غائبٌ عن كُلِّ المَواقف التَي تَتطلَبُ وجودًا حقيقيًّا!
          	 يَتوارَى في المَفازات الحاجيَة، ويَظهرُ فقَط كظِلٍّ باهتٍ يُريدُ قُطوفَ الأثَر دونَ أن يَطأَ الطَريق. وفَي الوَقت ذاتِه يَزدادُ الشُعورُ بالغثَيان كُلَما اصطَدَمتَ بذَاكَ المِرآتيِّ الَذي لا يَسألُ عن نَزفك، لكنَهُ يَقتفي أُثُرَ الألحان في أنقاضِك. كائنٌ يَحتَرفُ البُكاءَ على الغِياب المَزعوم، ويُمارسُ مَفهومَ الالتِصاق بصورَةٍ هَشَةٍ تُثيرُ الإشمِئزاز. لَقَد تَجاوَزَ الأمُرُ حُدودَ الانزِعاج العابِر، لِيَغدوَ شُعورًا بالمَسخ، أن تَرَى رُوحَكَ تُسَلبُ تَدريجيًّا لِتُصبحَ حِليَةً في جيد كائنٍ لا يَعرف حتَى أن يَكونَ ذاتَه.
          	

sarthvk_7

مسخٌ أم استعارة؟ إعتَبِرها ما شِئت! يغدو الصَدَى يُحاكي دونَ أن يَملكَ جوهَرَ الصَوت. لَيسَ الأمُرُ مجرَدَ تأثُرٍ يَعبرُ أو محبَةٍ تتسلَلُ، بل هوَ استنساخٌ قسريٌ يَنهرُ هويَةَ الأشياء، فتغدو المَلامحُ الصغيرَةُ والنَغماتُ الخفيَةُ وتَرتيبُ الرُوح للعالَم، ظِلالًا مستعارَةً يَرتديها آخَرُ بـلا استئذان، مُفرغًا إيَاها من شغَفها الأوَل.
          وَتَستمرُ المَهزلَةُ في صَمتٍ مُريب، أن تشهَدَ كائنًا يَعيشُ على الفُضالات المَعنويَة، يَتغذَى على ما أُحبُ، ويَتبنَى ما أَهوَى دونَ أن يُدركَ معناه، حتَى صارَت الشخصيَةُ المُوازيَةُ هَيکلًا شمعيًّا يُتقنُ المُحاكاةَ ويَفقدُ النَبض. مُقرفَةٌ هذِهِ الحَضارَةُ الزائفَةُ التَي تَبني هويَتها على سَرقَة التَفاصيل، يُوهمُكَ الفاعلُ بالقُرب، ويُثقلُ كاهلَكَ بالإدَعاء، بَينما هوَ في الحَقيقَة غائبٌ عن كُلِّ المَواقف التَي تَتطلَبُ وجودًا حقيقيًّا!
           يَتوارَى في المَفازات الحاجيَة، ويَظهرُ فقَط كظِلٍّ باهتٍ يُريدُ قُطوفَ الأثَر دونَ أن يَطأَ الطَريق. وفَي الوَقت ذاتِه يَزدادُ الشُعورُ بالغثَيان كُلَما اصطَدَمتَ بذَاكَ المِرآتيِّ الَذي لا يَسألُ عن نَزفك، لكنَهُ يَقتفي أُثُرَ الألحان في أنقاضِك. كائنٌ يَحتَرفُ البُكاءَ على الغِياب المَزعوم، ويُمارسُ مَفهومَ الالتِصاق بصورَةٍ هَشَةٍ تُثيرُ الإشمِئزاز. لَقَد تَجاوَزَ الأمُرُ حُدودَ الانزِعاج العابِر، لِيَغدوَ شُعورًا بالمَسخ، أن تَرَى رُوحَكَ تُسَلبُ تَدريجيًّا لِتُصبحَ حِليَةً في جيد كائنٍ لا يَعرف حتَى أن يَكونَ ذاتَه.
          

sarthvk_7

يتبعُ الفاجعةَ صمتٌ أشدُّ هولاً منها؛ صمتُ الرمادِ بعدما تأكلُ النارُ كلَّ ما طالَتْه. ليس الوجعُ في لحظةِ الانكسارِ المدويةِ فحسب، بل في ذلك "الانجرافِ الساكنِ" الذي يتلوها، حين تنطفئُ الجذوةُ الأخيرةُ في الروحِ، ويستقرُّ المرءُ في قاعِ الذهول. كان هناك أملٌ رميدٌ نتشبثُ به، فلما انتُزِع، لم يتبقَّ في المدى ما يُرجى، ولا في الصدرِ فضلةُ أنفاسٍ لِلصُّراخ. إنَّه انطفاءٌ يترسَّبُ في النَّخاع، حالةٌ من الخواءِ المطلقِ تجعلُ المرءَ شاخصاً في الفراغ، يعاينُ كيفَ تداعتْ أركانُ دنياهُ في غمضةِ عين، دونَ أن يملكَ حيلةً لِإرجاعِ الروحِ إلى جَسَدِها، أو إعادةِ الحياةِ إلى أعطافِهِ المُنهَك.
          أصعبُ ما في الأفولِ ليسَ السقوط، بل السكونُ الذي يعقبُه؛ ذلك الخمودُ الجللُ الذي يغشى الكيانَ بعدما تتهاوى المحاولاتُ جُثيّاً. لقد كُنّا على شفا نجاةٍ نلمسُها، فرُدِدنا إلى العدمِ بكفٍّ قاسية. وفي هذا الذهولِ البعديِّ، يضمحلُّ كلُّ صخبٍ، ويستحيلُ المرءُ هباءً يتوارى عن النور. ليس هذا حزناً تُبلُّ أطرافُه بالدموع، بل هو "كَمَدٌ صامتٌ" يُثقلُ الكاهلَ حتَّى العجز، ويُجمّدُ الشرايينَ كأنها لم تعرفِ الدفءَ قط. إنّه الشُّعورُ بأنَّ العالمَ يموجُ خارجَ حدودِكَ، بينما قابعٌ أنتَ في العتمةِ، مُجرَّدٌ من الشغفِ، ومستسلمٌ لِثقلٍ يُحيلُ الأيامَ كلَّها إلى ليلةٍ واحدةٍ سرمديةٍ لا يَعقُبها جَلاء.
          تراجُعُ الأملِ يخلّفُ وراءَهُ أرضاً بَوراً لا تنبتُ فيها الرجاءات. عندما تتكشَّفُ الخديعةُ الكبرى، وتنطفئُ البارقةُ التي كنَّا نُساقُ بها، يتسربُ الجليدُ إلى أعمقِ طبقاتِ الوجدان. لم يُعد في الوسعِ مفاوضةُ القَدَر، ولا احتضارُ التَّمني؛ لقد حُسِمَ الأمْرُ وانطفأ السِّراج. هو انحسارٌ تلتكِئُ فيه الروحُ على شتاتِها، فلا تشكو ولا تنتحب، لأنَّ المَصابَ تجاوزَ قدرةَ اللسانِ على البيان، واستقرَّ في القاعِ كحَجَرٍ صلد. أعيشُ الآنَ في طيِّ هذا الانكفاءِ، لا أبتغي شيئاً، ولا أخشى شيئاً، فقد بَلَغَ الزُّهدُ بالفرحِ أَمَدَه، وأصبحَ الوجودُ برُمَّتِهِ شاحباً، كطيفٍ يمرُّ على جدارٍ مائل.
          
          

sarthvk_7

غَبَشٌ أَم عَبْسٌ؟ يَنْسَلُّ مِنْ أَقاصي النفس حين يهدأ كل شيء، كأن الصدر ممرّ خالٍ لا يرتدّ فيه إلا صدى انطفائي. ليس الأمر حزنًا جليًّا تشير إليه الأصابع أو يُعبَّر عنه بالبكاء، بل خُبوٌّ غائر يحدث في ممكان بعيد جدًّا في الداخل؛ غياب يشبه انطفاء المصدر الأوّل للضوء والدفء، ذاك الكائن الذي كان وجوده يبني العالم حولي، ويحميه من الانهيار دون أن يطلب ثَمَنًا أو شرطًا. ومنذ ذاك الرحيل الذي خشعت له الأرض، غادرت الروح قدرتها على إصلاح ما تهدّم من ملامحها، ليغدو كل شيء بعده مجرّد ظلّ باهت لما كان، وكأن الحياة انتهت هناك، وبقي الجسد يتحرّك بدفع العادة.
          تستمرّ الأيّام ممارسة ضغطها الصامت، مطالبة إيّاي السير كالمطلوب، أن أُجاري الإيقاع العامّ كأن الفؤاد لم ينتثر، وكأن العقل لم يتوقّف عن النبض. تلك التوقّعات المثقلة التي يلقيها العالم على كاهلي كي أبدو متماسكًا، أو كي أُمارس أدوارِي الطبيعيَّة.. مقرفة تستنزف ما بقي في العروق من شَغَف، حتّى صارت أبسط المطالب المعيشيّة جبلًا يُراد منّي صعوده كلّ صباح. والتعب لم يعد جسديًّا يمكن شفاؤه بالنوم، بل غدا سكونًا ثقيلًا في أعماق الروح، ترى فيه كل هذه السعي المشروط حولها غير ذي بال، كفكِرة كبرى أُفرغت من معناها الأساسيّ، فلم يعد في القلب رغبة للمحاولة.
          وفي الوقت ذاته، تتّسع رقعة الهوّة التي أسقط فيها، تلك العتمة التي يمرّ الناس على حوافّها الخارجيّة، فلا يملكون غير أن يلقوا بنظرة خاطفة وسطحيّة. يرون فقط ألم الفقد المألوف الذي يحسبونه مؤقّتًا يمضي بالمطر أو بمرور الأيّام، ثمّ يهبونك شفقة كليلة ترتسم على وجوههم، لا تزيد الحزن إلا استتارًا، ولا تزيد القلب إلا غربة. شفقة لا تصل إلى القاع، تعامل المأساة كعرض عابر، في حين أنّه لا أحد يملك الجرأة ليتطلّع في الكبرياء إلى عمق هذا التآكل. لا أحد.. لا أحد يأخذ الأمر بما يكفي من الجدّيّة، أو يدرك أن المسألة قد تجاوزت حدود الشوق والرثاء العاديّ، حتّى صارت مرضًا ينهش الوعي بالخفاء، واكتئابًا باطنًا يقضم ما بقي من حواسي، ويثقل العقل بالرماد، دون أن يلتفت لهذا السقَم المميت.
          

sarthvk_7

غيزُ بردٍ يهبّ من الذاكرة حين يسكت كل شيء، حين تخلو الممرات من الضجيج ويبقى ما لا يُسكَت، شيءٌ فيّ لا يُحصى ولا يُسمَّى يتنفس بين الأضلاع تنفسَ ما لا يريد البقاء ولا يُطيق الرحيل، نسخةٌ زمنٍ مضى تسكن العظم فلا تبلغها الأيام ولا تمحوها الأعوام، تتواصل مع الروح توصلًا لا يُرى ولا يُلمس لكنه يُثقل الخطوة ويُميل الكتف دون أن يعرف أحدٌ من أين يأتي هذا الثقل، 
          بقايا دفءٍ كان حقيقيًا في لحظةٍ ما تحوّل إلى جمرٍ دفين لا 
          يُضيء غرفةً ولا يدفئ يدًا لكنه يأكل الهواء في صمتٍ
           ويترك الصدر ضيّقًا بما لا يُفسر،
          الروح التي تبدّلت حين تبدّلت الأرض تحتها وأُعيد نحتها بأزميلٍ لم تختره وجدت نفسها في فراغٍ لا يسعه الصدر ولا يُضيئه أحد، 
          فراغٌ يطرق جدرانه من لا يعرف أن الطرق لن يُجيب، لأن من كان يُجيب يحتفظ بكل طرقةٍ سابقة دليلًا في ملفٍ لم يُغلق، يزن الجرح بميزان الذنب ولا يرى أن الجرح نفسه تغيّر، أن الروح التي أخطأت لم تعد هي الروح التي تقف الآن في هذا الفراغ تحاول أن تتنفس، أن الحزن الذي أعاد تشكيل كل شيء من الداخل لا يستأذن ولا يُفسّر ولا يعرف كيف يُقنع أحدًا بأنه حقيقي، وأن القلب الذي يرفض كل دفءٍ آخر ويبقى معلقًا بخيطٍ لا يُرى بين ما كان وما لن يكون، ليس عنادًا ولا اختيارًا، بل هو الشيء الوحيد الذي لم يتبدّل حين تبدّل كل شيء، الشيء الوحيد الذي بقي على شكله القديم وسط كل هذا الهدم، كجدارٍ وحيدٍ من بيتٍ أُكل بالنار، لا يحمي شيئًا ولا يسقط، وفي أعمق ما فيه شيءٌ يعرف أنه لا يستحق هذا البقاء، أن هذا الدفء الذي يتشبث به ليس إلا ضعفًا سمّاه القلب حنينًا كي لا يخجل منه، وأن التمني نفسه جريمةٌ ترتكبها الروح بحق نفسها في سكوتٍ تام، تعاقب نفسها على كل نبضةٍ تخرج دون إذن، على كل لحظةٍ تشتاق فيها إلى ما سيحرقه لو اقترب، ومع ذلك يشتاق، ومع ذلك لا يبقى، لا لأنه يأمل بل لأنه لا يعرف كيف يكون شيئًا آخر.

sarthvk_7

There is a particular kind of contrition
          you develop
          without having done anything wrong
          a learned smallness,
          the body folding inward
          at the first sign
          of someone else's discomfort.
          You become fluent in periphery.
          You read exits before you read faces.
          You calibrate your presence
          against the room's tolerance
          and find yourself
          always, slightly,
          over the limit.
          It isn't grief they flinch from.
          It's the inconvenience of witnessing it
          the way sorrow, unresolved,
          makes people feel
          implicated
          in something they didn't cause
          and cannot fix.
          So they don't.
          And you sit with the strange indignity
          of being a burden 
          simply by existing
          in the aftermath of something
          that happened to you.

sarthvk_7

ليلٌ غارقٌ في وحشته
          كأنّ السكون اتّخذ من الجدران كهفًا ومن الأنفاس صدى. سماء خلف الزجاج تنزف رمادًا، ضوء في الممرّات يختنق كشمعةٍ تُصارع رياح الخوف. الروحُ مثقوبةٌ من كلّ صوب، والعينُ تقاوم انكسارها كما يقاوم الغريقُ ارتطامَ الموج الأخير.
          ثمّة قلبٌ متعب، متشبّثٌ بظلّ أمٍّ تتناوب عليها الأجهزة والرجاء، ينبضُ متقطّعًا كصوتِ دعاءٍ يتهدّل في صدرٍ خائف.
          حيثما العتمة، يجيء الحنينُ بوجهٍ واحدٍ لا يتبدّل؛ وجهٌ كان يرمّم الخراب بابتسامة، ويمسحُ الدمع كما لو أنّ العالمَ وُجد من أجل عينيه.
          كم رغبتُ أن يكونَ الحضورُ حضورَها ! أن تمتدَّ يدُها على وجهي حتى تتناسلُ الفوضى في صدري. كم تمنّيتُ أن يكون هذا الليلُ ضوءًا من عينيها، لا بردًا من غيابها.
          كلمةٌ صغيرةٌ من غيرها سالتْ على جرحٍ قديمٍ فاشتعل، سؤالٌ بسيطٌ عن الجوعِ أيقظَ مجاعةَ القلبِ لها، فتهاوى الصبرُ في صدري، وبكيتُ كما تبكي الذاكرة حين تُفتح فجأةً على عطرٍ قديم. يا لخذلانِ الأسماء حين تأتي من غير ملامحها، ويا لثِقَلِ الفراغ حين يتقمّص شكلَ الأمان. تُهدهدني صورةٌ منها كانت تُشبه الدفء، حين كانت تذكّرني بالطعامِ لأني أنسى نفسي، كانت تُطعمني الحياة، واليومَ لا يطعمني سوى وجعِ السؤال.
          كيف يغدو الحنانُ غيابًا؟ كيف يتحوّلُ منبهُ الاهتمامِ إلى ساعةٍ تنذرُ بالوحدة؟
          في هذا الليل، كلّ الأصوات تشبهها إلا صوتها، كلّ يدٍ تمتدّ لتواسيني ترتدّ فارغة، لأنّها ليست يدَها.
          والقلبُ، هذا الكائنُ المسكين، لا يزال يقفُ عند عتبةِ الغياب، يطرقُ الأبوابَ القديمة بأطرافِ الحنين، علّه يسمعُ من خلفها همسًا يُشبهها، أو بقايا دفءٍ نجا من الزمن.
          لكن لا شيء.
          غيرُ بردٍ يهبُّ من الذاكرة، أمٍّ تنامُ على حدّ الخطر، وفتاةٍ تبكي لأنّ مَن كان يُنقذها من نفسها، صارَ غائبًا على روحها، كما لو أنّ الحنانَ لم يكن يومًا إلا حلمًا يفيقُ على بكاء.

sarthvk_7

أعتلي الرخامة في المطبخ كما يعتلي الغريق حافة مركبٍ متهالك، تُرتجف أناملي والدمع يتهادى على وجهي كما تتهادى قوافل الملح في بحار العيون، غصّة تستوطن حنجرتي استيطانَ شوكةٍ في حنجرةِ عاشقٍ منفيّ. أقول لكِ، بلسانٍ تتكسّر أحرفه...
          أيُّ ريحٍ عاتيةٍ ساقتكِ إلى هذا العداءِ المحتدم؟ أيُّ غشاوةٍ في بصيرتكِ جعلتكِ تُصرّين على مَقتي؟ رغم أنّي أفصحتُ لكِ أسرارَ المواقف وأعدتُ لكِ سردها حتى ابيضّ منّي الليل واسودّ النهار؟ كأنّكِ كنتِ تتعمدين أن تستمسكي بعلّةٍ لتصنعي منها جدارًا من الشوك بيني وبينك، لتقولي: «هي تركتني عن عمد، هي تُبغضني»!
          لماذا كنتِ تُبغضين كلّ لفظٍ ينساب من فمي كأنه نصل؟ لماذا كنتِ توقظين على جلدي آثار كدماتكِ كما يوقظ الجلّاد حروف العذاب على جسد الأسير؟ أكنتُ أستحق ! وأنا الغِرّةُ البريئةُ مهما زلّتْ قدمي أو التبستْ عليّ المعاني، أن أُجازى من التي كانت تخشى عليّ من نملةٍ، بهذه القسوةِ المسترسلة؟
          كنتِ تعلمين، وربّ السماء كنتِ تعلمين، أنّ مقتكِ هذا ينهش دواخلي، صحّتي، ونفسي، ويُذوّبني قطرةً قطرةً، ومع ذلك كنتِ تتابعي، حتى إذا انكمشتُ على نفسي قليلًا، ألصقتِ بي صفة الجفاءِ وكأنّني أنا التي قسوتُ عليكِ، أنا التي ارتكبتُ أضعاف ما ارتكبتِه. وجودكِ كان خنقًا مُترفًا، موتًا مُحبّبًا، سُمًّا يُسكرني وأنا أتلظّى به.
          معلّقةٌ بظلّكِ الأوّل أنا، بفتاةٍ قديمةٍ تسكنكِ، بوجهكِ قبل أن ينقضّ عليه هذا السواد، بتلك النظرةِ التي كانت تُشيع في قلبي فردوسًا لا ينطفئ. كنتُ على أتمّ الاستعداد أن أفتدي تلك القديمة بكلّ ما فيّ، بروحي، بآخر نَفَسٍ يخرج من صدري، فقط لأبقيها حاضرةً. ومع ذلك، دفعتِني إلى هاويةٍ بلا قرار، هاويةٍ فقدتُ فيها الأمل أن أعود إليكِ أو أعود إليّ.
          
          فلا تُبغضيني… أستحلفكِ بكلّ ما كان بيننا أن لا تذبحيني بمقتكِ. لقد كان ابتعادي عنكِ قَدَرًا لا مفرّ منه، وإلا لكنتِ قد فقدتِني للعدم.