sword778888
لا يؤلم الإنسان أن يتقدّم به العمر، فذلك قانون لا مفرّ منه، لكن ما يوجعه حقاً هو بعض دروس الحياة القاسية التي لا تُفهم إلا متأخراً، بعد أن تكون قد استنزفت أجمل ما في السنوات وأثقلته بخسارات لا تُعوَّض. في تلك اللحظة، يجد الإنسان نفسه أسير ماضٍ طويل، وقد أدّى أدواره كاملة، لكنه خرج منه خالي الوفاض إلا من التعب.
غالباً لا يكون الإنسان سيئاً بطبعه، بل يسعى للخير، ويمنحه للآخرين دون حساب. يخفف عنهم، يمسح دموعهم، ويقابلهم بابتسامة صادقة، بينما يشتعل داخله صمتاً وألماً. يعيش دوره كما ينبغي، حاضراً في حياة الجميع، يؤدي واجبه الإنساني بإخلاص، لكنه يكتشف لاحقاً أنه كان السند الدائم دون أن يجد، في لحظات ضعفه، من يسنده.
تكمن القسوة في أن بعض الناس يُجبرون على القوة، لا اختياراً، بل اضطراراً. يصبحون ملجأً للآخرين، وحائطاً يتكئون عليه، فيما يواجهون انكساراتهم وحدهم. وحين يتغير الزمن، تتبدل المعايير، فتُساء قراءة الطيبة، ويُنظر إلى الصدق كعبء، وإلى التواضع كضعف، بينما يُكافأ الكذب ويُبرَّر الخداع باسم الذكاء والحنكة.
في خضم هذا التحول، يتعلم الإنسان أساليب البقاء لا بدافع القناعة، بل بحثاً عن السلام الداخلي. فيسامح ليخفف حمله، ويتناسى ليستطيع الاستمرار، ويصمت لأن الجدل لم يعد مجدياً، ويتغاضى لأن كثيراً من الأمور لم تعد تستحق استنزاف ما تبقى من الروح.
هكذا تتكوّن الحسرة الهادئة؛ حسرة من أعطى بإخلاص، وتحمل فوق طاقته، وانتظر عدلاً لم يأتِ. حسرة إنسان أدرك متأخراً أن الطيبة في عالمٍ مختل القيم قد تكون أثقل الأثمان، وأن أقسى الخسائر ليست ما نأخذه معنا، بل ما نتركه من أنفسنا في الطريق.