في كسر خَاطف من الزمن سَمعتُ انقباض العجلاتِ الصارخة على الأسفلت قبل أن أرى ذاك الجسدَ الضئيلَ يتهاوى تحت وطأة الارتطام الغاشم لثوانٍ معدودات
شلَّ عقلي ووقفتُ مأخوذاً بذهول شلَّ حواسي
لم أستوعب هولَ ما جرى أمام ناظري إلا حين لمحتهُ هو...
حين انطلقَ كالمجنونِ كأنما يُسابقُ الموتَ نفسَه نَحوَ جسدها المُلقى هناك
لقد غدا ذلك الجسد الغَضُّ جزء من ثرى الأرض، أرضٌ لم تلبث أن ارتوتْ بدماء طاهرة نزفت هدرا في لَحظَة خاطفة
كان اندفاعهُ نَحوَها مزيجاً فاجعاً من الذهول واليأسِ المحض تداعت كبرياؤهُ وقسوته تحت قدميها الممددتين
جثا فوق الدمِ وبأنامل ترتجفُ شحوباً وهلعا أخذ يُحاولُ لَمَ أطراف الجراح المفتوحةِ التي نهكت جسدها الصغير كأنما يتوقع أن قبضة يَدهِ المذعورة قادرةوعلى حبس الروح التي تتسربُ من بين أصابعه أو كأن بإمكانه رتقُ الفجيعةِ قبل أن تُجهزَ عليه.
كم تمنيتُ... كم ابتهلتُ في دياجير لياليَّ المظلمة ومن أعمقِ أغوارِ روحي المثقلة أن يَذوقَ مرارة الفَقد أن يرى عزيزاً عليه يهوي أمام عينيه ليذوقَ القطرة ذاتها من كاسِ الرُّعبِ والتهديد التي ظلَّ يُجرِعُني إيَاها كلما لوَّح ببطشهِ ونالا من عائلتي.
كُنتُ أظن أنَّ عدالةَ الثَأْر السَّاكنة في صدري ستُشفي غَليلي...
أما الان وأنا أرقبُ انكسارهُ الفاجعَ وصرختَهُ الصامتةَ فوق خُثارةَ الدمِ تلك يسكنني ندم يُمَزقُ أضلاعي. أقفُ متضرِعاً لو أنَّ تلك الأُمنيةَ خبت في صَدري ولم تخرجْ قَطُ و ليتها بَقيت جَميلةَ في غياهب الغيبِ
فمَنظر البراءة وهي تُذبح على مذبح الأَحقادِ كان أَعظمَ من أَنْ يَتَحَمَّلَهُ حقدي الدفين وأَقسى من أَنْ تطيقَهُ روحي
هذا المحرّم قد وافتك صارخةً
ممَّا استحلُّوا به أيامهُ الحُرمُ
يملأنَ سمعكَ من أصوات ناعيةٍ
في مسمع الدهر من إعوالها صمم
تنعى إليك دماءً غاب ناصرُها
حتَّى أُريقت ولم يرفع لكم علم