watt_Auralyn
بلغتني عبارةٌ ذات مساء شعرت كما لو أنها حكمًا هبط على روحي هبوط الصاعقة.. فشقَّها شطرين وأيقظ فيها سؤالًا ما ظننته يومًا قادرًا على قتلي. «حين يتوقف الإنسان عن الحلم، فلا يبقى منه إلا النسخة التي يعيشها اليوم.» ومنذ تلك اللحظة.. والعقدة في جوف حلقي جمرةٌ لا تبرد؛ كأن الحروف تُخلق من نار ثم تموت قبل أن تبلغ لساني، وكأن صوتي يذوب في صدري قبل أن يتخذ هيئة النداء.
إذًا…لقد مات الجميع.. امتلأت المقبرة باسمي، ولم يبقَ خارجها إلا شاهد قبرٍ يسير على قدمين.. كلُّ امرأةٍ كنتُها يومًا .. وكلُّ قلبٍ حملته في مرحلةٍ من عمري.. وكلُّ نسخةٍ علَّقت أمنيةً في سقف السماء ثم انتظرت أن يهبط لها الغد..مضت.
لكن… كيف مضت؟ ء أخذها الأجل كما يأخذ الأرواح إذا اكتملت أعمارها؟ أم اغتالتها الأيام اغتيالًا بطيئًا، حتى صار الموت أرحم عليها من الانتظار؟ هل بلغت أحلامها قبل أن تُطوى صحيفتها؟ أم بقيت الأمنيات معلقةً في الأعالي، بينما كانت الأقدام مغروسةً في وحل الحياة لا تقوى على بلوغ ما تُبصره العيون؟
يا للمفارقة .. كنتُ أنا النسخة الوحيدة التي خرجت إلى الدنيا وكأن الليل سبقها إلى قلبها.. لم أعرف من روحي إلا سوادها.. ولم يألف عنقي إلا طوق الاختناق.. يضيق كلما اتسعت الدنيا.. حتى غدا كأنه قلادةٌ نُقش عليها «هذه الروح لا تشتهي من الدنيا إلا الانطفاء.»
فلماذا بقيتُ أنا؟ لماذا مضت النسخ التي كانت تعرف كيف تحب الحياة وبقيتُ أنا أقلَّهن رغبةً فيها؟ أكان هذا ابتلاءً؟ أم اصطفاءً لا تُدركه عينٌ قاصرة؟ أم أن الله لا يترك أثقل الأرواح إلا لأنها ما زالت تحمل على كتفيها أمرًا لم يُقضَ بعد؟ أأقيم لهن مأتمًا؟ أأبكيهن كما تُبكى المدن بعد الخراب؟ أم أحمل عنهن ما عجزن عن حمله، وأمشي بما تبقى من أحلامهن حتى لو زحفتُ على ركبتي؟
أقف… وأبحث بين خرائب نفسي.. أنادي أسماءً لم يعد يجيبها أحد..أتلفت حولي كمن يبحث بين الأنقاض عن جثث أحبته..ثم يكتشف.. في هدوءٍ أشد فتكًا من الصراخ أن كل الجثث..كانت له.
watt_Auralyn
@watt_Auralyn وأقسم بين يديك..إن أبقيتني فلن أضيع هذه النجاة.. سأجمع أشلاء النسخ التي ماتت في داخلي وأبني منها امرأةً جديدة..امرأةً لا تنكر الخراب الذي مر بها، و إنما ترفض أن تتخذه وطنًا. سأحارب هذا السواد حتى آخر نَفَس..فإن غلبته بالنور فذاك فضلك.. وإن أعيتني الشمس فلن أزدري نور النجوم؛ فما خُلقت النجوم لتزيل الليل وإنما خُلقت لئلا يضل السائر طريقه. فمددك يا الله..إذا ضعفت..ومددك إذا تعبت.. ومددك إذا ظننت أن الطريق انتهى.. ومددك إذا أوشكت أن أنسى أنك قلت ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهذا.. آخر ما يقوله قلبٌ يؤمن أن بابك وإن تأخر في الفتح ..لا يُغلق أبدًا. نداء استغاثة..من عبدٍ لا يرى في هذا الكون ملجأً ولا منجى ولا مأمنًا..إلا أنت.
•
Reply
watt_Auralyn
@watt_Auralyn كلُّ نسخةٍ رحلت أخذت معها حلمًا.. واحدةٌ ماتت قبل أن ترى مستقبلها.. وأخرى انطفأت وهي تنتظر أن يجيء الفرج.. وثالثةٌ أرهقها القتال حتى نسيت لأي شيءٍ كانت تقاتل.. ورابعةٌ كانت تؤمن أن غدًا أجمل ينتظرها لكنها رحلت قبل أن تبلغه. أما أنا.. فبقيت.. كأنني الناجية الوحيدة من سفينةٍ لم ينجُ منها أحد.. نجوت.. لكن البحر أخذ كل شيء.. ثم تهبط الحقيقة على صدري هبوط الجبال .. لقد مات الجميع…وبقيتُ أنا. وهنا.. لا أعود أرغب في تفسير شيء. لا أريد فلسفةً..ولا عزاءً.. ولا كلماتٍ تتقن ترتيب الكوارث.. أريد أن أبكي حتى يغتسل هذا القلب من رماده.. أريد أن أصرخ صرخةً تبلغ السماء قبل أن تبلغ أسماع الناس. مددك يا الله..ليس اعتراضًا على قضائك؛ فكيف أعترض على حكمٍ أحاط بكل شيءٍ علمًا؟ وليس شكًّا في حكمتك؛ فكيف يشك العبد في يدٍ ما خذلته قط، وإن أبطأت عنه الإجابة؟ لكنه قلبٌ طال عليه السير، حتى كلَّت قدماه وهو لا يزال في أول الطريق. وروحٌ استنزفتها الحروب، حتى ما عادت تعرف أهي تقاتل لتعيش، أم تعيش لتقاتل. مددك يا الله..فما استحكمت الحلقات يومًا إلا وأنت لها الفارج..وما ضاق أمرٌ إلا وكان في خزائن رحمتك له مخرج. لكنه.. نداء استغاثة.. ثم .. عهد معك. ربِّ..إن كانت هذه الروح قد اسودَّت من فرط ما احترقت، فلا أطلب روحًا لم تعرف النار..إنما أسألك نارًا تُضيء ولا تُفني.. أسألك قلبًا يحول الجمر إلى دفء والليل إلى طريق، والجراح إلى أبوابٍ لا إلى قبور. ربِّ.. ازرع في صدري شغفًا لا تُطفئه الخيبات..وأيقظ فيَّ امرأةً تؤمن بك أكثر مما تخاف الحياة..واجعلني أحب أيامي لأنها منك.
•
Reply