zine_b5
توقفت أمامه، المسافة بيننا بالكاد تُرى، ومع ذلك شعرت أنها الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط، رفع عينيه إليّ ببطء، وكأنني كنت متوقعة أن أفعل ذلك، أن أقترب أكثر مما ينبغي، همست بصوت خافت لا يخلو من تحدٍ: "ابتعد…" لكنه لم يتحرك، فقط مال قليلًا، حتى أصبح صوته أقرب مما يجب: "اقتربي"، كان أمرًا، ليس طلبًا، شعرت به في صدري قبل أن أسمعه، فتراجعت نصف خطوة دون أن أشعر، ابتسم ابتسامة خفيفة، لا تحمل سخرية بل يقينًا، وقال بهدوء أخفض: "لن تهربي"، رفعت رأسي، أحاول أن أستعيد توازني، وقلت: "ومن قال إنني أحاول؟"، عندها فقط تحرك، خطوة واحدة، كانت كافية ليختفي كل شيء خلفه، المكان، الصوت، حتى أفكاري، ثم قال بصوت ثابت: "جربي"، لم أتحرك، لم أبتعد، فقط نظرت إليه، وأنا أعرف أنني فقدت المسافة منذ اللحظة التي وقفت فيها أمامه، مد يده، لم يمسكني بعنف، لكنه لم يترك خيارًا، وكأنه يعرف أنني لن أقاوم، ثم همس ببطء، كل كلمة أثقل من التي قبلها: "حين تختارين أن تبقي… لا تتحدثي عن الرحيل"، شعرت بشيء يربطني به، ليس خوفًا، بل اعترافًا لا أستطيع الهروب منه، فابتسمت رغم كل شيء، وقلت بصوت خافت: "وأنت… هل ستتركني إن أردت؟"، سكت للحظة، تلك اللحظة التي لا يُخطئها أحد، ثم قال وهو يقترب أكثر: "لا أترك ما يخصني"، لم أجادل، لم أهرب، فقط بقيت، وكأنني أعرف… أنني منذ البداية لم أكن أحاول النجاة، بل كنت أقترب منه خطوة بعد خطوة، حتى وصلت إلى هنا… حيث لا طريق للعودة.
اقتباس صغير من احد الفصول القادمة