في نصٍّ كثيف تحت عنوان «لماذا نُحبُّ البقاء في الأرياف؟» يُميِّز م. هايدغر بين العُزلة وبين التَّوحُّد. يقول: «غالبًا ما يندهش أهل المدينة من انعزالي الطويل الرّتيب في الجبال مع الفلَّاحين. إلَّا أنّ هذا ليس انعزالًا، وإنما هي الوحدة. ففي المُدُن الكبرىٰ يستطيع المرء بكل سهولة أن يكون منعزلًا أكثر من أيِّ مكان آخر، لكنّه لا يستطيع أبدًا أن يكون فيها وحيدًا. ذلك أن للوحدة القدرة الأصلية عَلىٰ عدم عَزْلِنا، بل إنها، عَلىٰ العكس من ذلك، ترمي وجودنا بأكمله في الحوار الواسع مع جوهر الأشياء كلها».
-عبد السلام بن عبد العالي.
إذا اجتمعت صفتي البساطة والعمق في المرء كانت جمالًا في تكوينه الشخصيّ وإنَّ أبهى الناس من كان بسيط السجيّة، يألف الناس ويُؤلَف، فإذا خالطته وجدته عميق الجوهر..
مثل نهر قديم، يبدأ صافيًا عند منبعه، لكنه يجمع في طريقه كل ما يسقط فيه. أحزان الأجداد، مخاوف الآباء، عقد لم تُحلّ، وندوب لم تُشفَ، تنتقل بين الأجيال وكأنها جروح تُورَّث بدل الذكريات. الأب الذي لم يُحب كما يجب، يصبح أبًا لا يعرف كيف يُحب. الأم التي عاشت في ظل الخوف، تزرع الخوف دون أن تقصد في قلوب أبنائها. كل جيل يعتقد أنه مختلف، لكنه في النهاية يكرر الحكاية نفسها، بأسماء جديدة وأزمنة مختلفة. والأصعب؟ أن بعضهم يكتشف مُتأخرًا أن الجرح الذي يؤلمه ليس جرحه وحده، بل امتداد لجروح قديمة لم يلتئم أصحابها أبدًا. هذا لأن العائلة، بكل تعقيداتها، هي أول جرح يتعلم الإنسان كيف يتعايش معه قبل أن يفهمه.
هناك أمورٌ لا تكتبها، ولا تبوح بها لنفسك، حتّى في سِرِّك. أمورٌ لا يُجيدها الكلام ويُسكَت عنها، لأنّها ببساطة لا تُنثر، وإن أردت أن تنثر فلن يتسع لها الكلام.