كان يوماً مشمساً، تلمع فيه السماء الصافية كمرآة زرقاء، في حين تكسو الأرض بطبقة جافة تتشقق من طول الانتظار للمطر. يوم آخر يحصيه سراج منذ آخر مرة أمطرت فيها السماء، وهو يتساءل بصوت مرتجف، "يا لي من ذنوب، كيف حجبت عنا خير السماء!" تابع سراج مشيه نحو ورشة يعمل فيها نجار يصنع قوارب الصيادين، ولكن العمل بدأ ينخفض بعد أن منع الملك قطع الأشجار منذ أن أجدبت الأرض.
"يا سراج! أنت يا سراج، مكانك! أريد أن أتحدث إليك." أمسك سراج برأسه، وأخذ يقول في نفسه، "وماذا يريد هذا العجوز مني الآن؟" اقترب العجوز منه وهو مسرع، ووضع يديه المرتجفتين على كتفي سراج، وقال له بنبرة جادة، "لقد وجدت لك عملاً خيراً من تلك الورشة التي تعمل فيها. لقد أصدر الملك بياناً يطلب فيه متطوعين بأجر لحفر آبار في جميع مناطق المملكة، على أن يكافئ كل من يحفر بئراً يخرج الماء منه." أخذ سراج ينظر إلى العجوز كعب الذي علت على وجهه ملامح الابتهاج، وتذكر أنه كان صديقاً لوالده الراحل سرحان.
كان سرحان وكعب يعملان سوياً في صيد الأسماك ويتقاسمان الأرباح. وذات ليلة عندما همّ سرحان بالمغادرة ليلتقي كعب عند الشاطئ، قالت له زوجته، أم سراج، صفية، وهي خائفة تفرك يديها، "سرحان، في خاطري شيء لم أستطع أن أكتمه، ولكن أخاف أن تغضب مني."
رد عليها سرحان وقد تملكته الحيرة، "قولي يا صفية، فما كنت أبداً لأغضب منك."
قالت صفية، "اسمع يا سرحان، والله إني لم أطمئن لرحلة الصيد هذه. هناك خوف يتملكني، فما رأيك أن تؤجل هذه الرحلة إلى يوم آخر؟"
ابتسم سرحان وقال، "لا تقلقي يا زوجتي، فإنما هي رحلة كأي رحلة صيد سبق أن ذهبت إليها."
ودع سرحان زوجته وابنه سراج، وحمل شبكة الصيد، وانطلق باتجاه الشاطئ. وكانت تلك آخر مرة رأى فيها سراج وأمه سرحان. ففي اليوم التالي، استيقظت صفية وسراج على صوت طرقات قوية في الباب. هرعت صفية مسرعة لفتح الباب، وعندها وجدت كعب وقد تبدل لونه وأصبح مائلاً إلى الزرقة وهو يرتجف. قالت له صفية، "ماذا بك يا كعب؟ ما الذي حدث؟ وأين سرحان؟" أخذ كعب يقلب عينيه، ثم عض على شفته السفلى حتى سال الدم منها، ثم قال، "أنا آسف يا صفية، أنا آسف يا سراج، ولكن سرحان قد سقط من على القارب، وحاولت أن أنقذه، ولكن سمك القرش كان أسبق مني." سقطت صفية على الأرض وعيناها قد امتلأتا بالدموع، وأخذت تصرخ، "سرحان!"
مضت الأيام، وما زال سراج يظن أن سبب وفاة أبيه هو كعب، ولكن لا أحد يعلم. قال سراج لكعب بعد أن أزاح يديه عن كتفيه، "ارحل! ارحل ولا ترني وجهك بعد اليوم. لم آتِ إليك لتبحث لي عن عمل." غادر سراج تاركاً كعب، وعلامات الحزن والأسى ترتسم على وجهه.
أقبل سراج على ورشته ورأى أن هنالك رجلاً يجلس أمام الباب يلبس رداء أسود يغطي رأسه. قال سراج في نفسه، "من هذا يا ترى؟ لم أره قط!" وقف سراج أمام الرجل وقال، "أنت تسد باب الورشة، أيها الرجل، ابتعد."
